ابن عربي

388

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 7 إلى 14 ] وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) الأطوار جمع طور وهو كل من مال لاستدارة كون ، ومنه سمي الطور طورا لانحنائه ، وجبل الخلق على الحركة ، فانتقل في الأطوار ، وحكمت عليه بمرورها الأعصار ، فإن للّه في خلقه أسرارا ، فلما خلق اللّه عزّ وجل الخلق خلق الإنسان أطوارا ، فمنا العالم والجاهل ، ومنا المنصف والمعاند ، ومنا القاهر ومنا المقهور ، ومنا الحاكم ومنا المحكوم ، ومنا المتحكم ومنا المتحكم فيه ، ومنا الرئيس والمرءوس ، ومنا الأمير والمأمور ، ومنا الملك والسوقة ، ومنا الحاسد والمحسود ، وكل هذا من تصاريف الأقدار ، وما أودع اللّه في حركات الأكوار ، مما يجيء به الليل والنهار ، من تنوع الأطوار ، بين محو وإثبات ، لظهور آيات بعد آيات ، فسبحان من خلقنا أطوارا ، وجعل لنا على علم الغيب والشهادة دليلا ليلا ونهارا ، فمحا آية الليل لدلالتها على الغيب ، وجعل آية النهار مبصرة لدلالتها على عالم الشهادة فقال تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 15 إلى 16 ] أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) « وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً » فهو مجلى لنور الشمس ، « وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً » والسراج نور ممدود بالدهن الذي يعطيه بقاء الإضاءة عليه ، ولهذا جعل الشمس يضيء به العالم ، وتبصر به الأشياء التي كان يسترها الظلام ، فحدث الليل والنهار بحدوث كوكب