ابن عربي
365
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
عبد المطلب ، والقرآن كلام اللّه وهو صفته ، فكان محمد صفة الحق تعالى بجملته ، فمن يطع الرسول فقد أطاع اللّه ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، فهو لسان حق ، فيكون محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما فقد من الدار الدنيا ، لأنه صورة القرآن العظيم ؛ واعلم أن الأخلاق على ثلاثة أنواع : خلق متعد وخلق غير متعد وخلق مشترك ، فالمتعدي على قسمين : متعد بمنفعة كالجود والفتوة ، ومتعد بدفع مضرة كالعفو والصفح واحتمال الأذى مع القدرة على الجزاء والتمكن منه ، وغير المتعدي كالورع والزهد والتوكل ، وأما المشترك فالصبر على الأذى من الخلق وبسط الوجه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم [ إن للّه تعالى ثلاثمائة وستين خلقا من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة ] قال أبو بكر : هل فيّ خلق منها يا رسول اللّه ؟ قال : كلها فيك يا أبا بكر ، وأحبها إلى اللّه تعالى السخاء ، وكل شيء عظمه اللّه يتعين تعظيمه على كل مؤمن ، ووصفه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله تعالى « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » فينظر المؤمن في القرآن ، فكل نعت فيه قد مدحه اللّه ومدح طائفة من عباده - كانوا ما كانوا - فيعلم أن ذلك صفة مدح إلهي ، فليعمل على الاتصاف بتلك الصفات ، وإذا ذكر اللّه في القرآن صفة ذم بها طائفة من عباده - كانوا ما كانوا - تعين عليه اجتنابها ، فيأخذ القرآن منزلا فيه ، كأن الحق ما خاطب به غيره ، فإذا فعل مثل هذا كان خلقه القرآن ، وعظمه الحق فعظم حيث تنفع العظمة ، ومكارم الأخلاق معلومة عقلا وشرعا وعرفا ، والتصرف بها وفيها معلوم شرعا ، فمن اتصف بها على الوجه المشروع ، وزاد تتميم مكارم الأخلاق وهو إلحاق سفسافها بها ، فتكون كلها مكارم أخلاق بالتصرف المشروع والمعقول ، مثل الكذب في الإصلاح بين ذات البين ، والحرص في الدين ، والخداع في الحرب ، فقد اتصف بكل ثناء إلهي ، فأثنى تعالى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » ثم وصف لنا تعالى من خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال اللّه تعالى ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) فللعبد أن يتخلق بالأسماء الإلهية حتى يرجع منها حقائق يدعى بها وينسب إليها ، سواء كان في حضرة الأفعال أو حضرة الصفات أو حضرة الذات . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 5 إلى 9 ] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 )