ابن عربي

362

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اعلم أن اللّه لما تسمى بالملك ، رتب العالم ترتيب المملكة ، فجعل له خواص من عباده هم الملائكة المهيمة ، جلساء الحق تعالى بالذكر ، ثم اتخذ حاجبا من الكروبيين واحدا ، أعطاه علمه في خلقه وهو علم مفصل في إجمال ، فعلمه سبحانه كان فيه مجلى له ، وسمى ذلك الملك نونا ، فلا يزال معتكفا في حضرة علمه عزّ وجل ، وهو رأس الديوان الإلهي ، والحق من كونه عليما لا يحتجب عنه ، ثم عين من ملائكته ملكا آخر دونه في المرتبة سماه القلم ، وجعل منزلته دون النون ، واتخذه كاتبا ، فيعلمه اللّه سبحانه من علمه ما شاء في خلقه بوساطة النون ، ولكن من العلم الإجمالي ، ومما يحوي عليه العلم الإجمالي علم التفصيل ، وهو من بعض علوم الإجمال ، لأن العلوم لها مراتب من جملتها علم التفصيل ، فما عند القلم الإلهي من مراتب العلوم المجملة إلا علم التفصيل مطلقا ، وبعض العلوم المفصلة لا غير ، واتخذ هذا الملك كاتب ديوانه ، وتجلى له من اسمه القادر ، فأمده من هذا التجلي الإلهي ، وجعل نظره إلى جهة عالم التدوين والتسطير ، فخلق له لوحا وأمره أن يكتب فيه جميع ما شاء سبحانه أن يجريه في خلقه إلى يوم القيامة خاصة ، وأنزله منزلة التلميذ من الأستاذ ، فتوجهت عليه هنا الإرادة الإلهية فخصصت له هذا القدر من العلوم المفصلة ، وأمر اللّه النون أن يمد القلم بعلوم من علوم الإجمال ، تحت كل علم تفاصيل ولكن معينة منحصرة لم يعطه غيرها - ومن وجه آخر إن اللّه لما خلق الملائكة وهي العقول المخلوقة ، وكان القلم أول مخلوق منها ، اصطفاه اللّه وقدمه وولاه على ديوان إيجاد العالم كله ، وقلده النّظر في مصالحه ، وجعل ذلك عبادة تكليفه التي تقربه من اللّه ، فما له نظر إلا في ذلك ، وجعله بسيطا حتى لا يغفل ولا ينام ولا ينسى ، فهو أحفظ الموجودات المحدثة ، وأضبطه لما علمه اللّه من ضروب العلوم ، وقد كتبها كلها مسطرة في اللوح المحفوظ عن التبديل والتحريف ، ومما كتبه فيه فأثبته علم التبديل ، أي علم ما يبدل وما يحرف في عالم التغيير والإحالة ، فهو على صورة علم اللّه لا يقبل التبديل ، فقال تعالى للقلم [ اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة ] وذلك أن الحق لما سوى الصورة العقلية بأمره ، أي صورة العقل الأول أو القلم كيفما شئت فسمّه ، نفخ فيه روحا من أمره ، فحملت صورة القلم في تلك النفخة بجميع علوم الكون إلى يوم القيامة ، وجعلها أصلا لوجود العالم ، وأعطاها الأولية في الوجود الإمكاني ، فكان من علم القلم الذي علمه أن قال للحق أدبا مع المعلم : ما أكتب ؟