ابن عربي
357
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
تدل هذه الآية على أن اللّه ما جعل في موجوداته من تفاوت في نفس الأمر ، فقال « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » فمنع أن يكون هناك تفاوت ، بل أراه الأمور على وضع الحكمة الإلهية ، فقال « فَارْجِعِ الْبَصَرَ » ينبه على النظر في المقدمتين « هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » يعني خللا يكون منه الدخل فيما يقيمه الدليل ، فيخترق البصر الجو حتى يصل إلى السماء الدنيا فلا يرى من فطور فينفذ فيه ، ومع ذلك فمن المحال أن يكون في الوجود أمر يوافق أغراض الجميع ، فإن اللّه خلق نظرهم متفاوتا . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 4 ] ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) - الوجه الأول - « يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ » وهو النظر « 1 » « خاسِئاً » بعيدا عن النفوذ فيه بدخل أو شبهة « وَهُوَ حَسِيرٌ » أي قد عيي أي أدركه العيا - الوجه الثاني - فينقلب البصر خاسئا وهو حسير ، أي قد أعي ، فإن البصر لا يرى المحسوسات المبصرات ويحسر ، فينقلب خاسئا فإنه لا يجد فطرا ينفذ فيه . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 5 ] وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ( 5 ) [ نور النجوم ذاتي ونور القمر مستمد : ] الكواكب عندنا كلها مستنيرة لا تستمد من الشمس كما يراه بعضهم ، والقمر على أصله لا نور له البتة ، قد محا اللّه نوره ، وذلك النور الذي ينسب إليه هو ما يتعلق به البصر من الشمس في مرآة القمر على حسب مواجهة الأبصار منه ، فالقمر مجلى الشمس ، وليس فيه من نور الشمس لا قليل ولا كثير ، وجعلت النجوم مصابيح لما بيدها من المفاتيح ، فالأنوار تظهر للأبصار ما سترته الأحلاك « وَجَعَلْناها » أي الكواكب ، فجعل اللّه الكواكب ذوات
--> ( 1 ) النظر هنا هو النظر العقلي .