ابن عربي
354
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وأعظم الفتن والاختبار في النساء والمال والولد والجاه « أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » لإقامة الحجة ، فإنه يعلم ما يكون قبل كونه ، لأنه علمه في ثبوته أزلا ، وأنه لا يقع في الكون إلا كما ثبت في العين - الوجه الثاني - لما كان للمحب رغبة في لقاء محبوبه ، وهو لقاء خاص عيّنه الحق ، إذ هو المشهود في كل حال ، ولكن لما عيّن ما شاء من المواطن وجعله محلا للقاء مخصوص ، رغبنا فيه ، ولا نناله إلا بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء ، وهي الدار الدنيا ، خيّر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الأخرى فقال [ الرفيق الأعلى ] وورد في الخبر أنه [ من أحب لقاء اللّه ] يعني بالموت [ أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه ] فلقيه في الموت بما يكرهه ، وهو أن حجبه عنه ، وتجلى لمن أحب لقاه من عباده ، ولقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه في الحياة الدنيا بالحال ، فالموت فيه فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامها ، وهذا الذوق لا يكون إلا بالخروج من الدار الدنيا بالموت لا بالحال ، وهو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد وظهر به ، بل كان السبب في ظهوره ، ففرّق الحق بينه وبين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما ، وهو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم ، فلا يريد أن يكون بينهم وبين غيره علاقة ، فخلق الموت وابتلاهم به تمحيصا لدعواهم في محبته - الوجه الثالث - اعلم أن الحياة للأرواح المدبرة للأجسام كلها النارية والترابية والنورية كالضوء للشمس سواء ، فالحياة لها وصف نفسي ، فما يظهرون على شيء إلا حيي ذلك الشيء ، وسرت فيه حياة ذلك الروح الظاهر له ، كما يسري ضوء الشمس في جسم الهواء ووجه الأرض وكل موضع تظهر عليه الشمس ، ولما كان كل ما سوى اللّه حيا ، فإنّ كل شيء مسبح بحمد ربه ولا يسبح إلا حي ، وقد وردت الأخبار بحياة كل رطب ويابس وجماد ونبات وأرض وسماء ، فكانت الحياة للأعيان والموت للنّسب ، فظهور الروح للجسم حياة ذلك الجسم ، كظهور الشمس لاستنارة الأجسام التي ظهرت لها ، وغيبة الروح عن الجسم زوال الحياة من ذلك الجسم وهو الموت ، فالاجتماع حياة والفرقة موت ، والاجتماع والافتراق نسب معقولة ، لها حكم ظاهر وإن كانت معدومة الأعيان ، فتركيب الروح والجسم ينتج عنه النفس الناطقة المدبرة للأجسام ، وهذا النوع من التركيب هو الذي يتصف بالموت ، فإذا فارق الروح الجسم انحلّ التركيب ، وجعل الروح مدبرا لجسد آخر برزخي ، وألحق الجسم بالتراب ، ثم ينشئ