ابن عربي

346

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

آخر في كل نفس بتقدير العزيز العليم ، فإذا نفذ فيهم أمره وأراد الرجوع ، جاءته رسله من كل موجود بما ظهر من كل من بعثوا إليه صورا قائمة ، فيلبسها ذلك الأمر الإلهي من قبيح وحسن ، ويرجع على معراجه من حيث جاء إلى أن يقف بين يدي ربه اسما إليها ظاهرا بكل صورة ، فيقبل الحق ما شاء ويرد منها ما شاء على صاحبها من صور تناسبها ، فجعل مقر تلك الصور حيث شاء من علمه ، فلا يزال تتابع الرسل إلى الأرض على هذه المعارج كما ذكرنا ، والأمر الإلهي ينزل من السماء الدنيا إلى الأرض في ثلاث سنين ، فكل شيء يظهر في كل شيء في الأرض فعند انقضاء ثلاث سنين من نزوله من السماء في كل زمان فرد ، فالآثار في الأرض هي الأمر الإلهي الذي يتنزل بين السماء والأرض ، وهو في كل ما يتولد بينهما بين السماء بما ينزل منها وبين الأرض بما تقبل من هذا النزول للتكوين ، يدل على ذلك قوله تعالى « لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » إشارة إلى الصفة العملية فيهما ، فإن القدرة ما لها تعلق إلا بالإيجاد ، فعلمنا أن المقصود بهذا التنزل إنما هو التكوين ، ثم تمم في الإخبار فقال : « وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً » إشارة إلى الصفة العلمية فيهما أي في القوتين العملية والعلمية ، فإن القدرة للإيجاد وهو العمل ، وهو العليم سبحانه بما يوجد ، القدير على إيجاد ما يريد إيجاده ، لا مانع له ، فجعل الأمر يتنزل بين السماء والأرض كالولد يظهر بين الأبوين ، وأحاط اللّه بكل شيء علما عند من رزقه اللّه فهما ، فلا تعم الإحاطة كل شيء إلا إذا كانت معنى ، ولا يعلم الشيء من جميع وجوهه إلا اللّه عزّ وجل الذي أحاط بكل شيء علما ، سواء كان الشيء ثابتا أو موجودا أو متناهيا أو غير متناه ، فالمعلوم لا يزال محصورا في العلم ، لهذا كان المعلوم محاطا به فقال تعالى : « أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً » من الواجبات والجائزات والمستحيلات ، وهو تعلق أعم من تعلق قوله تعالى : ( وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) وإن كان بعض العلماء لا يسمي شيئا إلا الموجود ، فلا نبالي فإن اللّه قد أحاط بكل شيء علما ، وقد علم المحال ، ولو خصص صاحب هذا الاصطلاح العلم المحيط في هذه الآية بالموجودات ، فليس له دليل على ذلك إلا كونه اصطلح على أنه لا يسمي شيئا إلا الموجود ، فالإحاطة هنا على بابها في العموم ، والإحاطة عبارة عن تعلق العلم بالمعلومات الغير المتناهية هنا ، فيحيط بالمحال العلم أي معنى ، لعلمه من جميع الوجوه .