ابن عربي
34
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 11 ] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) جاء بكلمة ثم بعد خلق تؤذن غالبا أن الثاني بعد الأول بمهلة ، وهو زمان خلق الأرض وتقدير أقواتها في أربعة أيام من أيام الشأن ، يومان لشأنها في عينها وذاتها ، يوم لظهورها وشهادتها ، ويوم لبطونها وغيبتها ، ويومان لما أودع فيها من الأقوات الغيبية والشهادية ، ثم كان الاستواء الأقدس الذي هو القصد والتوجه إلى فتق السماوات وفطرها ، فقال تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ » فالاستواء هنا بمعنى القصد ، فإن القصد هو الإرادة وهي من صفات الكمال « وَهِيَ دُخانٌ » أي أن أصلها الدخان ، وهي اليوم سماوات ، كما أن آدم خلقه اللّه من تراب أي أصله ، وهو لحم ودم وعروق وأعصاب [ طاعة السماء والأرض للأمر الإلهي : ] « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً » - الوجه الأول - لأمر حدّ لهما ، أي أجيبا إذا دعيتما لما يراد منكما مما أمنتما عليه أن تبرزاه ، فإن اللّه تعالى ما خلق شيئا في الكون إلا حيا ناطقا ، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا ، في العالم الأعلى والأسفل ، مصداق ذلك قوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ولما كان الأمر هكذا ، جاز بل وقع وصح أن يخاطب الحق جميع الموجودات ويوحي إليها ، من سماء وأرض وجبال وشجر وغير ذلك من الموجودات ، ووصفها بالطاعة لما أمرها به ، وبالإباية لقبول عرضه ، وأسجد له كل شيء ، لأنه تجلى لكل شيء ، وأوحى إلى كل شيء بما خاطب ذلك الشيء به ، فقال للسماء والأرض « ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » لأنها علمت أنها إن لم تجب مختارة جبرت على الإتيان ، فجيء بها كما جيء بجهنم ، فالسماء والأرض آتيتان أبدا ، فلا يزالان متحركتين ، غير أن حركة الأرض خفيّة عندنا ، وحركتها حول الوسط لأنها أكر ، والسماء أتت طائعة عند أمر اللّه لها بالإتيان ، وأمر الأرض فأتت طائعة لما علمت نفسها مقهورة ، وأنه لا بد أن يؤتى بها بقوله « أَوْ كَرْهاً » فكانت المرادة بقوله تعالى : « أَوْ كَرْهاً » - الوجه الثاني - « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً » أي تهيأ القبول ما يلقى فيكما « قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » فإنه كان أمرا لا عرضا ، فتعين عليهم الإجابة طوعا ، أو كرها ، أي على مشقة ، لمعرفتهم بعظيم ما أوجب اللّه عليهم ، فأتوا طائعين ، فلما أتيا طائعين وتهيئا لقبول ما شاء الحق أن يجعل فيهما ،