ابن عربي

333

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

هم عليه من الجاه ، ثم قال تعالى « وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ » لمن ينسبون العزة وأن العزة للرسول وللمؤمنين ، وتتميز العزة في كل موطن عن الآخر ، فالعزة للّه لذاته إذ لا إله إلا هو ، وعزة رسوله باللّه ، وعزة المؤمنين باللّه وبرسوله ، ولما سمع أولو الألباب هذا الخطاب تنبهوا لما ذكر المؤمنين ، فلله العزة في المؤمنين ، فإنه المؤمن في المؤمنين ، فإن الحق إذا كان سمع العبد المؤمن وبصره كانت العزة للّه بما كان للعبد به في هذا المقام عزيزا ، ألا تراه في هذا المقام لا يمتنع عليه رؤية كل مبصر ولا مسموع ولا شيء مما تطلبه قوة من قوى هذا العبد ، لأن قواه هوية الحق ، وللّه العزة ، ويمتنع أن يدركه من ليست له هذه القوة من المخلوقين ، ولهذا ما ذكر اللّه العزة إلا للمؤمنين ، ثم إن عزة الرسول بالمؤمنين إذا كانوا هم الذين يذبون عن حوزته ، فلا عزة إلا عزة المؤمن ، فبالعزة يغلب ، وبالعزة يمتنع ، فهي الحصن المنيع ، وهي حمى اللّه وحرمه ، ولا يعرف حمى اللّه ويحترمه إلا المؤمن خاصة ، والمؤمن بالعزة يمتنع أن يؤثر فيه المخالف الذي يدعوه إلى الكفر بما هو به مؤمن ، واعلم أن إعزاز اللّه عبده أن لا يقوم به من نعوت الحق في العموم نعت أصلا ، فهو منيع الحمى من صفات ربه ، فإنه أعظم الاعتزاز من حمى نفسه من أن يقوم به وصف رباني ، وليس إلا العبد المحض ، فإن ظهر بأمر اللّه ، فأمر اللّه أظهره ، واعلم أن العزة إن أخذها العبد عن أمر اللّه ، ولكنه لما قام بها في الخلق وظهر بها اعتز في نفسه على أمثاله ، لحق بالأخسرين أعمالا ، وهم ملوك الإسلام وسلاطينهم وأمراؤهم ، يفتخرون بالرئاسة على المرءوسين جهلا منهم ، ولذلك لا يكون أحد أذل منهم في نفوسهم وعند الناس إذا عزلوا عن هذه المرتبة ، ومن كان في ولايته حاله مع الخلق حاله دون هذه الولاية ثم عزل ، لم يجد في نفسه أمرا لم يكن عليه ، فبقي مشكورا عند اللّه وعند نفسه وعند المرءوسين الذين كانوا تحت حكم رئاسته ، وهذا هو المعتز باللّه ، بل العزيز الذي منع حماه أن يتصف بما ليس له إلا بحكم الجعل ، فمن اعتز بالحق سعد ، ومن اعتز بغيره شقي وإن نصر في الوقت - إشارة - العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، فلا يتواضع إلا مؤمن ، فإن له الرفعة الإلهية بالإيمان . [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 )