ابن عربي
328
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
سماه اللّه بلسان الشرع يوم الجمعة ، ولما زينه اللّه بزينة الأسماء الإلهية وحلّاه بها وأقامه خليفة فيها بها فظهر بأحسن زينة إلهية في الكمال ، - ومن كان مجلى كمال الحق فلا زينة أعلى من زينة اللّه - أطلق اللّه عليه اسما على ألسنة العرب في الجاهلية ، وهو لفظ العروبة ، أي هو يوم الحسن والزينة ، فظهر الحق في أكمل الخلق وهو آدم ، فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة ، فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه ، الذي خلقه اللّه على صورته ، فيوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس ، وما بيّنه اللّه لأحد إلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لمناسبته الكمالية ، فإنه أكمل الأنبياء ونحن أكمل الأمم ، وسائر الأمم وأنبيائها ما أبان الحق لهم عنه ، لأنهم لم يكونوا من المستعدين له لكونهم دون درجة الكمال ، أنبياؤهم دون محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأممهم دوننا في الكمال ، فلما كان يوم الجمعة أكمل الأيام وخلق فيه أكمل الموجودات ، خصّه اللّه بالساعة التي ليست لغيره من الأيام ، والزمان كله ليس سوى هذه الأيام ، فلم تحصل هذه الساعة لشيء من الزمان إلا ليوم الجمعة ، وكان خلق الإنسان في هذه الساعة المذكورة المخصصة من يوم الجمعة ، فإنها أشرف ساعاته ، فالحمد للّه الذي اصطفانا وهدانا إلى يوم الجمعة ، وخصّنا بساعته فإنه من أعظم الهداية التي هدى اللّه إليها هذه الأمة خاصة ، فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه ، فيوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع وشرفه ذاتي لعينه ، ولا يفاضل بيوم عرفة ولا غيره ، فإن فضل يوم عرفة وعاشوراء لأمور عرضت ، إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض ، ولهذا شرع الغسل - وهو فرض عندنا - ليوم الجمعة لا لنفس الصلاة ، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة ، فلا خلاف أنه أفضل بلا شك ، وصلاة الجمعة واجبة على من تجب عليه الصلوات المفروضة ، واتفق العلماء على أن من شروطها الذكورة والصحة ، وأنها لا تجب على المرأة والمريض ، وعندنا واجبة على المسافر ، وتجب على العبد ، فللعبد أن يتأهب فإن منعه سيده فيكون السيد من الذين يصدون عن سبيل اللّه ، وكل من ذكرناه ونذكر أنه لا تجب عليه الجمعة إذا حضرها صلاها ، وشروط الجمعة شروط الصلاة المفروضة ، ووقتها مخيّر فيه أن تكون قبل الزوال أو أن تكون وقت الزوال يعني وقت الظهر ، وهي لا تجوز للمنفرد ، فمن شروطها الجماعة وأقلها واحد مع الإمام ، حضرا وسفرا ، والذي أذهب إليه أن صلاتها قبل الزوال أولى لأنه وقت لم يشرع فيه فرض ، فينبغي أن يتوجه إلى