ابن عربي

323

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

لما كان الأمر تجارة تتصف بالربح والخسران ، مدح اللّه المؤمنين بالتجارة ، وهو البيع والشراء في أي شيء كان مما أمر اللّه بالتجارة فيه ، قال تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ » فسماها تجارة ، لأن التاجر يحمل إلى الناس ما يحتاجون إليه ، والأنبياء عليهم السلام جاءوا من عند اللّه إلى عباد اللّه بما فيه سعادتهم ، فأجروا على ذلك الأجر التام ، فللمؤمن تجارة في نفس إيمانه ، وهي التجارة المنجية من العذاب الأليم ، قال تعالى « تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » فقيل : وما هي ؟ فذكر ما هي التجارة فقال : [ سورة الصف ( 61 ) : آية 11 ] تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) مع حصول المشقة في ذلك من مفارقة الأهل في دخوله في الإيمان دونهم ، ومفارقة الأوطان بالهجرة إلى دار الإسلام ، وإنما عدل في هذه الأمور إلى التجارة دون غيرها ، فإن القرآن نزل على قرشي بلغة قريش بالحجاز ، وكانوا تجارا دون غيرهم من الأعراب ، فلما كان الغالب عليهم التجارة كسى اللّه ذات الشرع والإيمان لفظ التجارة ، ليكون أقرب إلى أفهامهم ومناسبة أحوالهم ، فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة والبيع فيما ملك بيعه ، وما صرح اللّه فيه بأنه يشتري خاصة ، فإن التجارة معاوضة وقبض ثمن ، والبيع بيع ما تملكه ، والشراء شراء ما ليس عندك ، فلا تسلك من الطرق إلا ما تقع لك فيه المنفعة والربح فإنها تجارة ، وهكذا سماها اللّه . [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 12 إلى 14 ] يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 13 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ( 14 )