ابن عربي
321
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بلوغ الغاية التي في نفسه طلبها ، فلم تف الجوارح بذلك ، ولا ما عندنا من الأسماء الإلهية ، فإنه ما يثنى عليه عزّ وجل إلا بأسمائه الحسنى ، ولا يعلم منها إلا ما أظهر ، ولا يثنى عليه إلا بالكلام بتلك الأسماء وهو الذكر ، ولا يكون إلا منه ، لا بالوضع منا . [ سورة الصف ( 61 ) : آية 2 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » [ « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ » الآية : ] التأيه على نوعين ، تأيّه بالصفة مثل قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) و ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) وتأيّه بالذات ، مثل قوله ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) وقد يؤيه بأمر ، وقد يؤيه بنهي ، والتأيه في هذه الآية تأيه إنكار - الوجه الأول - « لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ » وله وجه للأمر ووجه للنهي ، كأنه تعالى يقول في الأمر فيه ( افعلوا ما تقولون ) ؛ وفي النهي ( لا تقولوا على اللّه ما لا تفعلون ) فإنكم تمقتون نفوسكم عند اللّه في ذلك أكبر المقت . - الوجه الثاني - قال تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » ولم يقل الحق : يا أولي الألباب ، ولا يا أولي العلم ، لأن درجات العقلاء تتفاوت « لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ » فإن العالم العاقل لا يقول ما لا يفعل إلا بالاستثناء ، لأنه يعلم أن الفعل للّه لا له ، فكأن الحق يقول للمعتزلي الذي يقول بإضافة الفعل إلى نفسه في اعتقاده « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ » إن الفعل لكم وما هو كذلك ، فأضفتم إليكم « ما لا تَفْعَلُونَ » ، وكبر مقتا منكم عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون . [ سورة الصف ( 61 ) : آية 3 ] كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) وهذه حالة من أمر بالبر غيره ونسي نفسه ، والناس يأخذون في هذه الآية غير مأخذها ، فيقولون إن اللّه مقتهم ، وما يتحققون قوله تعالى ( عِنْدَ اللَّهِ ) أي تمقتون أنفسكم أكبر المقت عند اللّه إذا رجعتم إليه ، فتعلق المقت بمن قال خيرا يمكن له فعله فلا يفعله ، وذلك القول الخير لا بد أن يجني ثمرته القائل به ، ولا سيما إن أعطى عملا في عامل من عباد اللّه إلا أنه محروم ، فما يكبر عند اللّه إلا لكون هذا القائل قال هذا القول ولم يفعل ما قاله إذا اطلع على ما حرم من الخير بترك الفعل ، فمقت نفسه أعظم المقت ، ولا سيما إذا رأى غيره قد انتفع به عملا ، فهو أكبر مقت عنده يمقت به نفسه عند اللّه في شهوده في الآخرة ، فهو