ابن عربي
308
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 22 ] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) « هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » [ التوحيد الثالث والثلاثون في القرآن ، وهو توحيد العلم : ] بدأ بهو ، وأتى بالاسم المحيط بجميع الأسماء التي تأتي مفصلة ، ثم بالنفي فنفى أن تكون هذه المرتبة لغيره ، ثم أوجبها لنفسه بقوله : « إِلَّا هُوَ » فبدأ بهو وختم بهو ، فكل ما جاء من تفصيل أعيان الأسماء الإلهية فقد دخل تحت الاسم اللّه الآتي بعد قوله « هُوَ » فإن « هُوَ » أعم من كلمة « اللَّهُ » فإنها تدل على اللّه وعلى كل غائب وكل من له هوية ، فكان الهو ختم الأسماء الإلهية وهو عين سابقتها ، فإن الاسم اللّه دلالة على الرتبة ، والهوية دلالة على العين ، لا تدل على أمر آخر غير الذات ، فتدل على عين غائبة عن أن يحصرها علم مخلوق ، فلا يزال غيبا عند كل من يزعم أنه عالم به ، ولذلك كان الهو عند الطائفة أتم الأذكار وأرفعها وأعظمها ، وهو ذكر خواص الخواص ، وليس بعده ذكر أتم منه ، فيكون ما يعطيه الهو في إعطائه أعظم من إعطاء اسم من الأسماء الإلهية حتى الاسم اللّه . « هُوَ اللَّهُ » واختار الحق الاسم اللّه فأقامه في الكلمات مقامه ، فهو الاسم الذي ينعت ولا ينعت به ، فجميع الأسماء نعته وهو لا يكون نعتا ، ولهذا يتكلف فيه الاشتقاق ، فهو اسم جامد علم موضوع للذات في عالم الكلمات والحروف ، لم يتسمّ به غيره جلّ وعلا ، فعصمه من الاشتراك ، كما دل أن لا يكون ثم إله غيره بقوله : « الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » اعلم أن الوحدة في الإيجاد والوجود والموجود لا تعقل إلا في « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » فهذه أحدية المرتبة وهي أحدية الكثرة ، فإذا أطلقت الأحدية فلا تطلق عقلا ونقلا إلا بإزاء أحدية المجموع ، مجموع نسب أو صفات أو ما شئت على قدر ما أعطاه دليلك ، ولكل نسبة أو صفة أحدية تمتاز بها عن غيرها في نفس الأمر ، فمن أراد أن يميزها عند السامع أو المتعلم فما يقدر على ذلك إلا بمجموع حقائق ، كل حقيقة معلومة عند السامع ، ولذلك ما طلب الحق تعالى في الإيمان منا إلا توحيد الإله خاصة ، وهو أن نعلم أنه ما ثمّ إلا إله واحد لا إله إلا هو ، فلم يكن ثمّ جمع يقتضي هذا الحكم ، وهو أن يكون إلها إلا هذا المسمى بهذه الأسماء الحسنى ، فأهل الحق يقولون بنسبة الألوهة لهذا الموجد للممكن المألوه ، ومعقول الألوهة ما هو معقول الذات ، فالأحدية معقولة لا تتمكن العبارة عنها إلا بمجموع ، مع كون العقل يعقلها وهي أحدية المجموع وآحاده ، فالتجلي الإلهي لا يصح في الأحدية أصلا ، وما ثمّ غير الأحدية ، وما يتعقل أثر عن واحد لا جمعية له ، فلا أعلم من اللّه باللّه ، حيث لم يفرض الوحدة إلا أحدية المجموع ، وهي