ابن عربي
30
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الكنّ بيت الطبيعة ، فالقلب مشغول بأمه ما عنده خبر بأبيه الذي هو روح اللّه ، فلا يزال في ظلمة الكنّ وهي حجاب الطبيعة ، فهو في حجابين كنّ وظلمة ، فهو يسمع ولا يفهم ، كما قال اللّه فيهم ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) أي لا يفهمون فهنا قال الكفار « وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ » فكانت قلوبهم في أكنة مما يدعوها الرسول إليه خاصة ، لا أنها في كنّ ، ولكن تعلقت بغير ما تدعى إليه ، فعميت عن إدراك ما دعيت إليه فلا تبصر شيئا « وَفِي آذانِنا وَقْرٌ » فطابق ذلك قول اللّه : إنهم صم ، فلم يسمعوا ، والوقر هنا هو ثقل الأسباب الدنياوية التي تصرف عن الآخرة « وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ » إن كان الوقر طخاء ، فهو قساوة قلبه أن يؤثر فيه قبول ، ما يخطر له حديث النفس من النظر والإصغاء إلى هذا الداعي الذي هو الشارع ، قال بعضهم ذلك لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، يعنون بالحجاب هنا الأكنة « فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ » - الوجه الأول - أي اعمل في رفع ذلك إننا عاملون في رفع ذلك ، في حق من يحتمل صدقه عندهم ، فإنهم اعترفوا أن قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه ، فما جحدوا قوله ولا ردوه كما اعتقد غيرهم ممن لم يقل ذلك ، ولا ندري ما آل إليه أمر هؤلاء ، فإنا نعلم قطعا أن الرسول يعمل في رفع الغطاء عن أعينهم بلا شك ، ولذا قال في الآية التالية ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) ولم يقل : وويل لكم ، فهذا يدل بقرينة الحال أنهم عاملون في رفع الحجاب وإخراج قلوبهم من الأكنة ، وإنما كثر الأكنة لاختلاف أسباب توقفهم في قبول ما أتاهم به ، فمنهم من كنّه الحسد ، وآخر الجهل ، وآخر شغل الوقت بما كان عنده أهم حتى يتفرغ منه ، والكل حجاب - الوجه الثاني - « وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ » أي هو منّا « وَفِي آذانِنا وَقْرٌ » أي هو منّا ، « وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ » أي هو منّا « فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ » فقال اللّه تعالى : ( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وهو العمل الذي قالوه وطلبوه - إشارة وموعظة : [ القلب مرآة مصقولة ] - اعلم أن القلب مرآة مصقولة ، كلها وجه لا تصدأ أبدا ، فإن أطلق يوما عليها أنها صدئت كما قال عليه السلام : [ إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد - الحديث ] وفيه أن جلاءها ذكر اللّه وتلاوة القرآن ، ولكن من كونه الذكر الحكيم ، فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب ، ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الأسباب عن العلم باللّه ، كان تعلقه بغير اللّه صدأ على وجه القلب ، لأنه المانع من تجلي الحق إلى هذا القلب ، لأن الحضرة الإلهية متجلية على الدوام ، لا يتصور في حقها