ابن عربي
3
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الجزء الرابع ( 40 ) سورة غافر مكيّة [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) « غافِرِ الذَّنْبِ » بنسبة اليسير إليه « وَقابِلِ التَّوْبِ » لمن يرجع إليه من المخالفة ، ولو رجع ألف مرة في كل يوم فهو تائب « شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ » لما تجلى الحق في شديد العقاب ، تجلى في الطول الأعم المؤيد بغافر الذنب وقابل التوب ، ولم يجعل للشديد العقاب مؤيدا ، ومن شدته في ذلك أعقب أهل النار حسن المآب « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ » هذا هو التوحيد الثامن والعشرون في القرآن وهو توحيد الصيرورة ، وهو من توحيد الهوية ، وهو على الحقيقة مقام الإيمان ، لأن المؤمن من اعتدل في حقه الخوف والرجاء ، واستوت فيهما قدماه ، فلم يحكم فضله في عدله ، ولا عدله في فضله - إشارة وتنبيه - لم يجعل للشديد العقاب مؤيدا وذلك للدعوى في الشدة ، فوكل إلى ما ادّعاه فهو غير معان ، ومن لم يدع فهو معان ، فلما جاء بالشدة في العقاب ولم يجيء في الطول مثل هذه الصفة ، لهذا شد أزره بغافر الذنب وقابل التوب ، فأشار إلى ذوي الأفهام من عباده بإعانة ذي الطول بغافر الذنب وقابل التوب على الشديد العقاب إلى ترك الدعوى ، فإن الشديد في زعمه أنه لا يقاوم ، ولو علم أن ثمّ ما يقاومه ما ادعى ذلك ، فنبه تعالى عباده على ترك الدعوى فيكون الحق يتولى أمورهم بنفسه ، وعصمهم في حركاتهم وسكناتهم ليقفوا عند ذلك ، ويعلموا أنه الحق . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 4 إلى 7 ] ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 7 )