ابن عربي
295
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
اللّه أنه لا إله إلا اللّه من حيث الأدلة العقلية ، فإن الطريق الموصلة إلى العلم باللّه طريقان لا ثالث لهما ، ومن وحّد اللّه من غير هذين الصنفين فهو مقلد في توحيده ، الطريق الواحدة طريق الكشف ، وهو علم ضروري يحصل عند الكشف يجده الإنسان في نفسه لا يقبل معه شبهة ولا يقدر على دفعه ، ولا يعرف لذلك دليلا يستند إليه سوى ما يجده في نفسه ، وقد يكشف له عن الدليل ، وإما أن يحصل له هذا العلم عن تجل إلهي يحصل له ، وهم الرسل والأنبياء وبعض الأولياء ؛ والطريق الثاني طريق الفكر والاستدلال بالبرهان العقلي ، وهذا الطريق دون الطريق الأول ، فإن صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله ، فيتكلف الكشف عنها والبحث عن وجه الحق في الأمر المطلوب ، وما ثمّ طريق ثالث ، فهؤلاء هم أولوا العلم الذين شهدوا بتوحيد الحق ، فتوحيد الحق يدرك بالإيمان ويدرك بالنظر ، فالمقلد مؤمن ، والناظر والمستدل بالأدلة العقلية على وجود الصانع وتوحيده عالم - وجه - لما كان الأمر في الحقيقة في نسبة الأفعال أن الحق مجراها على أيدي الخلق ومنشئها فيهم ، اطلع العباد على ذلك أو لم يطلعوا ، شرف العالم بالاطلاع على من لم يطلع وفضل ، قال تعالى : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 12 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) ينبغي لك إذا ناجيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك زمان قراءتك الأحاديث المروية عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أن تقدم بين يدي نجواك صدقة ، أي صدقة كانت ، فإن ذلك خير لك وأطهر ، بهذا أمرت ، فإن الصدقات التي نص الشارع عليها كثيرة ، ولذلك ورد أنه يصبح على كل سلامي منا صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس ، ثم أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أن كل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة ، وكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وأمر بمعروف صدقة ، ونهي عن منكر صدقة ] فانظر حالك عندما تريد قراءة الحديث النبوي ، فهي التي بقيت في العامة من مناجاة الرسول ، فالذي يعيّن لك حالك عند ذلك من الصدقات تقدمها بين يدي قراءتك الحديث كانت ما كانت ، فقد أوسع اللّه عليك في ذلك ، فلم يبق لك عذر في التخلف بعد أن أعلمك