ابن عربي
292
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لذلك قال : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) ولم يكفر من قال : إنه رابع ثلاثة ، ومعيته تعالى هنا من كونه سميعا من كونهم يتناجون . واعلم وفقك اللّه أن اللّه ما خلق الأشياء إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره ، فبالشفعية التي في كل شيء يقع الاشتراك بين الأشياء ، وبأحدية كل شيء يتميز كل شيء عن شيئية غيره ، وليس المعتبر في كل شيء إلا ما يتميز به ، وحينئذ يسمى شيئا ، فلو أراد الشفعية لما كان شيئا ، وإنما يكون شيئين ، وقد قال تعالى : ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ ) ولم يقل لشيئين ، فإذا كان الأمر على ما قررناه ثم جاء الحق لكل شيء بمعيته فقد شفع فردية ذلك الشيء ، فجعل نفسه رابعا وسادسا ، وأدنى من ذلك وهو أن يكون ثانيا ، وأكثر وهو ما فوق الستة من العدد الزوج ، إعلاما منه تعالى أنه على صورة العالم أو العالم على صورته ، فالثلاثة أول الأفراد في العدد إلى ما لا يتناهى ، والشفعية المعبر عنها بالاثنين أول الأزواج إلى ما لا يتناهى في العدد ، فما من شفع إلا ويوتره واحد يكون بذلك فردية ذلك الشفع ، وما من فرد إلا ويشفعه واحد يكون به شفعية ذلك الفرد ، فالأمر الذي يشفع الفرد ويفرد الشفع هو الغني الذي له الحكم ولا يحكم عليه ، ولا يفتقر ويفتقر إليه ، فمتى فرضت عددا فاجعل الحق الواحد الذي يكون بعد ذلك اللاصق به ولا بد ، فإنه يتضمنه ، فالخامس للأربعة يتضمن الأربعة ولا تتضمنه ، فهو يخمّسها وهي لا تخمسه فإنها أربعة لنفسها ، وهكذا في كل عدد ، وإنما كان هذا لحفظ العدد على المعدودات ، والحفظ لا يكون إلا للّه وليس اللّه سوى الواحد ، فلا بد أن يكون الواحد أبدا له حفظ ما دونه من شفع ووتر ، فهو يوتر الشفع ويشفع الوتر ، والفردية عندنا لا تكون إلا للواحد الذي يشفع الوتر وللواحد الذي يوتر الشفع ، ولولا ذلك ما صح أن تقول في فردية الحقّ إنه رابع ثلاثة وسادس خمسة وأدنى من ذلك وأكثر ، وهو فرد في كل نسبة ، فتارة ينفرد بتشفيع الوتر ، وتارة بإيتار الشفع وهو قوله : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ » فما بيّن في فرديته بالذكر المعين إلا فردية تشفع الوتر الذي لا يقول به الحكماء في اصطلاح الفردية ، ثم قال في العام : « وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ » سواء كان عددهم وترا أو شفعا ، فإن اللّه لا يكون واحدا من شفعيتهم ولا واحدا من وتريتهم ، بل هو الرقيب عليهم الحفيظ الذي هو من ورائهم محيط ، فمتى انتقل الخلق إلى المرتبة التي كانت للحق انتقل الحق إلى المرتبة التي تليها ، لا يمكن له الوقوف