ابن عربي

288

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فذمهم اللّه لما لم يرعوها ، وقد يكون في الكلام تقديم وتأخير ، كأنه يقول : فما رعوها حق رعايتها إلا ابتغاء رضوان اللّه ، وكذلك اعتقدوا ، يعني المراعين لها « فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا » بها « مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ » « وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ » أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة « فاسِقُونَ » أي خارجون عن الانقياد إليها والقيام بحقها . وتدل هذه الآية على أن الاجتهاد ومشروعيته كان مقررا فيما سبقنا من الأمم ، فإنهم ما ابتدعوها إلا باجتهاد منهم وطلب مصلحة عامة أو خاصة ، وأثنى على من رعاها حق رعايتها ، وذكر هذا في بني إسرائيل ، وفي شرعنا من هذه الرهبانية من سن سنة حسنة ، وهذا هو عين الابتداع ، فهي في هذه الأمة السنن التي ابتدعت على طريق القربة إلى اللّه ، وهو قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ] فأجاز لنا ابتداع ما هو حسن ، وجعل فيه الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به ، فالخير يطلب الثواب بذاته ، والشرع مبين توقيت ذلك الثواب ، لما جمع عمر بن الخطاب الناس على أبيّ في قيام رمضان ، قال : نعمت البدعة هذه ؛ فسماها بدعة ، ومشت السنة على ذلك إلى يومنا هذا ، فاستمر الشرع والعبادة المرغب فيها مما لا ينسخ حكما ثابتا إلى يوم القيامة ، وهذا الحكم خاص بهذه الأمة ، وأعني بالحكم تسميتها سنة ، تشريفا لهذه الأمة ، وكانت في حق غيرها من الأمم السالفة تسمى رهبانية ابتدعوها ، فمن قال : بدعة في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة ، إلا أن يكون ما بلغه ذلك ، والاتباع أولى من الابتداع ، والفرق بين الاتباع والابتداع معقول ، ولهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنة وما سماها بدعة ، لأن الابتداع ، إظهار أمر على غير مثال ، هذا أصله ، فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا ، ولم يكن يسوغ لنا الأخذ به ، فعدل الشارع إلى لفظ السنة إذ كانت السنة مشروعة ، وقد شرع لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم السلام . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) « وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ » وهو النور الذي تنظر به عين البصيرة ، وهو علم اليقين ،