ابن عربي

284

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

لطول الأمد حكم يغير الحال ، قال : « وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 17 إلى 19 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 19 ) الصديقون هم أتباع الرسل لقول الرسل ، فالصديق من لا يكذب بشيء من الأخبار إذا تلقى ذلك من الصادق - راجع الصديق « وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ » راجع سورة النساء آية 69 - « لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ » - الوجه الأول - لَهُمْ أَجْرُهُمْ » أي ما اكتسبوه « وَنُورُهُمْ » ما وهبهم الحق تعالى من ذلك ، حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب ، حتى يشغل الوهب العبد عن معاينة سلطان الاستحقاق الذي يعطيه الأجر ، إذ كان معاوضة عن عمل متقدم مضاف إلى العبد ، فلا أجر إلا ويخالطه نور لما ذكرناه - الوجه الثاني - « لَهُمْ أَجْرُهُمْ » من حيث الشهادة « وَنُورُهُمْ » من حيث الصديقية ، فجعل النور للصديقية ، والأجر للشهادة ، إذ الصديقون لهم النور لصدقهم ، إذ لولا النور ما عاينوا صدق المخبر وصدق الخبر - الوجه الثالث - اعلم أن من الناس عبيدا ومنهم أجراء ، ولأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير والمستأجر ، فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه ، فإن العبد لا يوقت على سيده ، إنما هو عامل في ملكه ومتناول ما يحتاج إليه ، فالأجراء لهم أجرهم والعبيد لهم نورهم وهو سيدهم ، فإنه نور السماوات والأرض ، فقوله تعالى : « لَهُمْ أَجْرُهُمْ » يعني الأجراء ، وهم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم « وَنُورُهُمْ » وهم العبيد والإماء - الوجه الرابع - برأ اللّه الصديقين من الأعواض وطلب