ابن عربي
281
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا » وهم المؤمنون « انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ » لهم من جانب الحق « ارْجِعُوا وَراءَكُمْ » كما رجعتم عندما رأيتم نور الهدى في الدنيا على أعقابكم ، فكانوا في ظلمة الكون « فَالْتَمِسُوا نُوراً » هنالكم ولن تجدوه ، انظروا إلى موجدكم هنالكم ، ولن تجدوه ، وقيل لهذه الطائفة ذلك القول وهو حق ، لأن اللّه من ورائهم محيط وهو النور ، فلو لم يضرب بالسور بينه وبينهم لوجدوا النور الذي التمسوه حين قيل لهم « فَالْتَمِسُوا نُوراً » أي لا يكون لأحد نور إلا من حياته الدنيا ، فإن الحياة الدنيا محل اكتساب الأنوار بالتكاليف ، وإنها دار عمل مشروع ، فهي دار ارتقاء واكتساب ، فلما أقبلوا على الآخرة صارت الدنيا وراءهم ، فقيل لهم « ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً » فحال سور المنع بينهم وبين الحياة الدنيا ، فقال تعالى « فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ » - الوجه الثاني - [ سور الأعراف : ] السور يسمى الأعراف بين الجنة والنار ، وجعله اللّه مكانا لمن اعتدلت كفتا ميزانه ، فلم ترجح إحداهما على الأخرى ، وقال فيه : « لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ » هذه الآية يستدل بها على عموم رحمة اللّه في المآل ، فإن السور الذي بين الجنة والنار أخفى اللّه رحمته في باطنه ، وجعل العذاب في ظاهره لاقتضاء الموطن والزمان والحال ، فالسور الحائل بين الدارين الجنة والنار ، لا بين الصفتين الرحمة والعذاب ، فإن السور في نفسه رحمة ، وعينه عين الفصل بين الدارين ، لأن العذاب من قبله ما هو فيه والرحمة فيه ، فلو كان العذاب فيه لتسرمد العذاب على أهل النار كما تتسرمد الرحمة على أهل الجنة ، فالسور لا يرتفع ، وكونه رحمة لا يرتفع ، ولا بد أن يظهر ما في الباطن على الظاهر ، فلا بد من شمول الرحمة لمن هو قبل ظاهر السور ، وأهل الجنة مغموسون في الرحمة ، فإذا أراد أهل الجنة أن يتنعموا