ابن عربي
266
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وتحمل أعباءهم ، وجهلهم وأذاهم ، وجازاهم بالإساءة إحسانا ، وبالذنب عفوا ، وعن الإساءة تجاوزا ، وسعى في كل ما فيه راحة لمن سعى له ، ولما كان من المحال أن يعم الإنسان بخلقه ويبلغ به رضى جميع العالم ، لما هو العالم عليه في نفسه من المخالفة والمعاداة ، فإذا أرضى زيدا أسخط عدوه عمرا ، فلم يعم بخلقه جميع العالم ، فلما رأى استحالة ذلك التعميم عدل إلى تصريف خلقه مع اللّه ، فنظر إلى كل ما يرضي اللّه فقام فيه ، وإلى كل ما يسخطه فاجتنبه ، ولم يبال ما وافق ذلك من العالم مما يخالفه ، وإذا تصرف التالي في العالم تصرف الحق من رحمته ، وبسط رزقه وكنفه على العدو والولي ، والبغيض والحبيب ، بما يعم مما لا يقدح ، ويخص جناب الحق بطاعته وإن أسخط العدو ، كما خص الحق بتوفيقه بعض عباده ولم يعم كما عم في الرزق ، فمن هذه صفته في حال تلاوته فإنه يتلو القرآن الكريم الذي في كتاب مكنون ، وهو قوله تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 78 ] فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) يعني بالكتاب المكنون الذي هو صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة ، بأيدي سفرة ، كرام بررة . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 79 إلى 80 ] لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 ) وما قال : رب المؤمنين ؛ لعموم الكرم في الرزق والحياة الدنيا . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 81 إلى 83 ] أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 ) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) يعني خروج النفس بالموت . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 84 إلى 85 ] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) ذلك في حق المحتضر وما خصّ ميتا من ميت ، أي ما خصّ سعيدا في القرب من شقي ، يقول تعالى : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ » يعني المحتضر ، فإنه ما فارق الدنيا ، إلا أنه على أهبة