ابن عربي

261

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ولم يقل تعالى : أأنتم تخلقون منه ولا فيه ، وإنما قال : تخلقونه ، فأراد عين إيجاده منيا خاصة ، والاسم المصور هو الذي يتولى فتح الصورة فيه . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 60 إلى 61 ] نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) [ « وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » الآية : ] - الوجه الأول - اللّه يحدث نشأة الإنسان مع الأنفاس ولا يشعر ، وفي كل نفس له فينا إنشاء جديد بنشأة جديدة ، ومن لا علم له بهذا فهو في لبس من خلق جديد ، لأن الحس يحجبه بالصورة التي يحس بتغييرها ، مع ثبوت عين القابل للتغيير مع الأنفاس - الوجه الثاني - من ذلك علمنا أن اللّه ينشئ كل منشأ فيما لا يعلم ، أي لا يعلم له مثال إلا إن أعلمه اللّه - الوجه الثالث - لو كانت إعادة أرواحنا إلى أجسادنا على هذا المزاج الخاص الذي كان لنا في النشأة الدنيا لم يصح قوله تعالى : « فِي ما لا تَعْلَمُونَ » ، فإنه قد قال : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) وقال : ( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) يعني في النشأة الآخرة أنها تشبه النشأة الدنياوية في عدم المثال ، فالأخرى تجديد نشأة أخرى في الكل ، لا يعرفها العقل الأول ولا اللوح المحفوظ ، فاعلم أن الدار داران تسكنهما الأرواح الناطقة ، وهو البدن الطبيعي المسوى المعدل الذي خلقه اللّه بيديه ووجه عليه صفتيه ، فلما أنشأه أسكنه دارا أخرى هي دار الدار ، وقسم سبحانه دار الدار قسمين : قسما سماه الدنيا وقسما سماه