ابن عربي
247
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فلا تجده ، وإن توجهت إلى وجه ربك وتركت وجهك أقبل عليك ولم يكن لك مؤنس سواه ، ولا مشهود إلا إياه ، فإذا انقلبت إليه الانقلاب الخاص الذي لا بد لكل إنسان منه ، وجدت من كان لك قبل هذا الانقلاب أنيسا وجليسا وصاحبا ، ففرحت بلقائه وعاد الأنس أعظم ، وتتذكر الأنس الماضي فتزيد أنسا على أنس ، وترى عنده وجه ذاتك ولا تفقده ، فتجمع بين الوجهين في صورة واحدة ، فيتحد الأنس لاتحاد الوجهين ، فيعظم الابتهاج والسرور ، فالمؤمن الكامل يكون بباطنه مع اللّه في كل حال . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 28 إلى 29 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) « يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » بلسان حال ولسان مقال ، وهكذا ينبغي أن يكون الملك يستشرف كل يوم على أحوال أهل ملكه ، فما له شغل إلا بها ، فيقول تعالى : « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » [ تعريف الأيام كبيرها وصغيرها : ] اليوم هنا قدر نفس المتنفس في الزمان الفرد ، فإن الأيام كثيرة ، ومنها كبير وصغير ، وأصغر الأيام الزمن الفرد الذي لا يقبل القسمة ، وعليه يخرج قوله تعالى : « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » فسمى الزمان الفرد يوما ، لأن الشأن يحدث فيه ، فهو أصغر الأزمان وأدقها ، ولا حد لأكبرها يوقف عنده ، وبينهما أيام متوسطة ، أولها اليوم المعلوم في العرف وتفصّله الساعات ، فاليوم في هذه الآية هو الزمن الفرد في كل شيء الذي لا ينقسم ، وذلك من اسمه تعالى الدهر ، لأن من صفة الدهر التحول القلب ، واللّه هو الدهر ، وثبت أنه يتحول في الصور وأنه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، والشأن هو ما يحدثه اللّه من التغييرات في الأكوان ، وهو ما نحن فيه وهو يخلقه ، فالشأن ليس إلا الفعل وهو ما يوجده اللّه في كل يوم من أصغر الأيام ، فوصف الحق نفسه أنه كل يوم في شأن ، يعني أنه هو في شؤون ، وليست التصريفات والتقليبات والعالم سوى هذه الشؤون التي الحق فيها ، وذلك راجع إلى التحول الإلهي في الصور الوارد في الصحيح ، فمن هناك ظهر التغيير في الأكوان أبد الآبدين إلى غير نهاية ، لتغير الأصل ، ومن هذه الحقيقة ظهر حكم الاستحالة في العالم ، وهو الشؤون المختلفة ، لأنه ما ثمّ إلا اللّه والتوجه وقبول الممكنات لما أراد اللّه بذلك التوجه ،