ابن عربي

242

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

قيل لهم ، لاحتمال أن يكون الضمير يعود على نعمة مخصوصة في تلك الآية ، وهم يريدون جميع الآلاء حتى يعم التصديق . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 15 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فالإنسان ما يفخر إلا بالجان ، وبما في الجان من الضلال كان الصلصال ، وهو الثناء الذميم على من خلق في أحسن تقويم ، فيبقى الإنسان على التقديس ، ويأخذ صلصاله إبليس ، فيرجع أصله إليه ، ويحور وباله عليه ، والجياد على أعراقها تجري ، ونجومها في أفلاكها تسبح ، وتسري - باب في خلق الجان - المرج الاختلاط ، والمارج المختلط ، ومنه سمي المرج مرجا لاختلاط النبات فيه ، لأنه يحوي على أخلاط من الأزهار والنبات ، فلما خلق اللّه الأركان الأربعة دون الفلك ، وأدارها على شكل الفلك ، والكل أشكال في الجسم الكل ، فأول حركة فلكية ظهر أثرها فيما يليها من الأركان وهو النار ، فأثّر فيه اشتعالا بما في الهواء من الرطوبة ، فكان ذلك الاشتعال واللهب من النار والهواء وهو المارج ، فلما اختلط الهواء بالنار اشتعل وحمي واتقد مثل السراج وأحدث اشتعالا ولهبا ، فتح اللّه في تلك الشعلة الجان ، وهو في الأصل من عنصرين هواء ونار ، كما كان آدم من عنصرين ماء وتراب ، عجن به فحدث له اسم الطين ، كما حدث لامتزاج النار بالهواء اسم المارج ، ففتح سبحانه في ذلك المارج صورة الجان ، فبما فيه من الهواء يتشكل في أي صورة شاء ، وبما فيه من النار سخف وعظم لطفه ، وكان فيه طلب القهر والاستكبار والعزة ، فإن النار أرفع الأركان مكانا ، وله سلطان على إحالة الأشياء التي تقتضيها الطبيعة ، وهو السبب الموجب لكونه استكبر عن السجود لآدم ، عندما أمره اللّه عزّ وجل ، بتأويل أداه أن يقول : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) يعني بحكم الأصل ، كما في الجان من بقية الأركان ، ولذا سمي مارجا ، ولكن ليس لها في نشأته ذلك السلطان ، فالتكبر في الجان بالطبع للنارية ، فإن تواضع فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من الترابية ، كما أن تواضع آدم للطينية بالطبع ، فإن تكبر فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من النارية ، وللجن التشكل في الصور كالملائكة ، وأخذ اللّه بأبصارنا عنهم فلا نراهم إلا إذا شاء اللّه أن يكشف لبعض عباده فيراهم ، ولما كانوا من عالم السخافة واللطافة قبلوا التشكل فيما يريدونه من الصور الحسية ، فالصورة الأصلية التي ينسب إليها الروحاني