ابن عربي

240

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الاشتراك في حقيقة الموزونين ، فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد ، فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده ، فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة ، بجميع ما تحوي عليه ، بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه ، وكما لم تكن صنجة الذهب توازن الذهب في حد ولا حقيقة ولا صورة عين ، كذلك العبد وإن خلقه اللّه على صورته ، فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة ، إذ لا حد لذاته ، والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي ، وكل مخلوق على هذا الحد ، والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته ، فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة ، من أنه ذات وأنت ذات ، وأنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك ، وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ، ولهذا جمع في سورة واحدة ( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) ( وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران ، وما له إقامة إلا على هذا الحد ، فإن اللّه الخالق وأنت العبد المخلوق ، وكيف للصنعة أن تعلم صانعها ؟ وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته ، وأنت صنعة خالقك ، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك ، فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ، ولا تعجب بنفسك ، واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها ، وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية ، تعالى اللّه ، فالزم عبوديتك والزم قدرك . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 10 ] وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) من أجل المشي والمنام . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 11 ] فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) لحصول المنافع ودفع الآلام . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 12 ] وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) وهو ما يقوت الإنسان والحيوان . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 13 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » [ كان الجن أحسن استماعا لسورة الرحمن من الإنس : ] أيها الإنس والجان ، وقد غمر كما بالإنعام والإحسان ، ولما تلا