ابن عربي

237

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

« وَالسَّماءَ » وهي قبة الميزان « رَفَعَها » في البنيان ، لما ها من الولاية والحكم في الأكوان ، فهي السقف المرفوع على الأركان « وَوَضَعَ الْمِيزانَ » [ « وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ » الآية : ] - الوجه الأول - وضع الميزان في سباحة الكواكب في أفلاكها ، التي هي طرق في السماوات ، لتجري بالمقادير الكائنة في العالم ، على قدر معلوم لا تتعدّاه ، فهي تعطي وتمنع بذلك الميزان الذي وضع الحق لها ، لأنها تشاهد الميزان بيد الحق حين يخفض به ويرفع ، فإذا نظرت إلى من رفعه الحق بميزانه أعطته ما يستحقه مقام الرفع ، وإذا رأت الحق يضع بميزانه من شاء أعطته ما يستحقه مقام الوضع ، وذلك هو التسخير الذي ورد في القرآن أنها مسخرات بأمره ، فصاحب الشهود يقول : مطرنا بفضل اللّه ورحمته ؛ بالوزن الذي جعله في سباحة كوكب من الكواكب ، وما قدره اللّه له من المنازل التي ينزل فيها ، والمحجوب عن هذا المقام يقول : مطرنا بنوء كذا وكذا ؛ فيذكر الكوكب المجبور في ذلك ويضيف ما ظهر من المطر الصائب إليه ، كما يضيف أفعاله خلقا إلى نفسه ، فسمي عند ذلك كافرا باللّه مؤمنا بمن رأى الفعل منه ، ويسمى الأول مؤمنا باللّه كافرا بمن رأى الحسن الفعل صادرا منه ، من حيث ما هو محل ، ومن المكلفين من ليس له هذا الشهود ، ولا تركه الإيمان يقف مع الحجاب الذي على عينه ، فيقول مثل ما يقول صاحب الشهود : مطرنا بفضل اللّه ورحمته ، تقليدا لا علما ، حتى يتميز المؤمن من العالم ، فإن المؤمن يقول ذلك لورود الخبر الصادق به ، ويقوله صاحب النظر لما يعطيه دليل عقله مثل المؤمن سواء ، إلا أن له درجة زائدة ، وهذان الصنفان لا يبلغان مبلغ صاحب الشهود في الدرجة ، فإنه يزيد عليهما بالعين - الوجه الثاني - « وَوَضَعَ الْمِيزانَ » في الأرض ، أي وضع ميزانا عندنا في الأرض ، وهو ميزان الشرع ، لنصرفه بحسب وضع الحق ، فلا يتعدى الميزان الذي يطلبه منه ، وهو الميزان الإلهي المشروع ، فمن عرفه ووقف عنده وتأدب بآداب اللّه التي أدب بها رسله فقد فاز ، وحاز درجة العلم باللّه ، وعلم أن اللّه وضع الميزان ليظهر به إقامة العدل في العالم بصورة محسوسة ، ليرتفع النزاع بين المتنازعين ، لوجود الكفتين المماثلة للخصمين ، ولسان الميزان هو الحاكم ، فإلى أية جهة مال حكم لتلك الجهة بالحق ، وإن هو بقي في قبته من غير ميل إلى جهة إحدى الكفتين ، علم أن المتنازعين لكل واحد منهما حق فيما ينازع فيه ، فيقع له الإنصاف لما شهد له به حاكم لسان الميزان ، فارتفع الخصام والمنازعة ، فلو أن اللّه يفتح عين بصائر الخصماء لمشاهدة