ابن عربي
21
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
هذا أن يكون هو الأفضل عند اللّه ، فذلك للّه تعالى وحده فإن المخلوق لا يعلم ما في نفس الخالق إلا بإعلامه إياه ، ولكن ما تفطن الناس لقوله تعالى : « أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ » من كونهم ناسا ، ولم يقل أكبر من خلق آدم ولا من الخلفاء ، فإنه ما خلق على الصورة من كونه من الناس ، إذ لو كان كذلك لما فضل الناس بعضهم بعضا ، ولا فضلت الرسل بعضهم بعضا ، ففضل الصورة لا يقاومه فضل ، فالإنسان عالم صغير ، والعالم إنسان كبير مختصره الإنسان الصغير ، لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها ، فخرج على صورة العالم ، فكان قليل من الناس يعلم ذلك - الوجه الثاني - هذه الآية تدل على شرف الجماد على الإنسان لمعنى خلقها اللّه عليه وخلقه فيها ، أترى هذا الكبر في الجرم وعظم الكمية ؟ هيهات لا واللّه ! فإن ذلك معلوم بالحس ، وإنما ذلك لمعنى أوجده فيها لم يكن ذلك للإنسان يعطيه العلم بالمراتب ومقادير الأشياء عند اللّه تعالى ، فنزل كل موجود منزلته التي أنزله اللّه فيها ، ومن هذا المعنى إبايتها لحمل الأمانة عندما عرضت عليها عرضا ، فكان خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس في المنزلة ، فإنهن كن أعلم بقدر الأمانة من الإنسان ، فبهذا أيضا كن أكبر من خلق الناس في المنزلة من العلم ، فإنهن ما وصفن بالجهل كما وصف الإنسان ، وكذلك لما أمرتا بالإتيان أمر وجوب ، فإن لم يجئن جيء بهن على كره ، قالتا ( أَتَيْنا طائِعِينَ ) لعلمهن بأن الذي أمرهن قادر على الإتيان بهن على كره منهن - إشارة لطيفة - إن خلق الإنسان وإن كان عن حركات فلكية هي أبوه ، وعن عناصر قابلة وهي أمه ، فإن له من جانب الحق أمرا ما هو في آبائه ولا أمهاته ، من ذلك الأمر وسع جلال اللّه تعالى ، إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي هو السماء أو أمه التي هي الأرض أو منهما ، لكان السماء والأرض أولى بأن يسعا الحق ممن تولد عنهما ، فاختص الإنسان بأمر أعطاه هذه السعة التي ضاق عنها السماء والأرض ، فلم تكن له هذه السعة إلا من حيث أمر آخر من اللّه ، فضل به على السماء والأرض ، وهذا الأمر هو خلقه على الصورة قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن اللّه خلق آدم على صورته ] فكل واحد من العالم فاضل مفضول ، فقد فضل كل واحد من العالم من فضله ، لحكمة الافتقار والنقص الذي هو عليه كل ما سوى اللّه ، فإن الإنسان إذا زها بهذه السعة وافتخر على الأرض والسماء جاءه قوله تعالى : « لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ » وإذا زهت السماء والأرض بهذه الآية على الإنسان جاء قوله : [ ما