ابن عربي
10
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
إليه مستعدا لما يلقى إليه ، ولولاه ما كان القبول ، وليس الاستعداد في القبول ، وإنما ذلك اختصاص إلهي ، يقول صلّى اللّه عليه وسلّم فيمن حفظ القرآن : [ إن النبوة قد أدرجت بين جنبيه ] وهو من استظهر القرآن ، فله ذوق الإنزال على قلبه من تنزل الروح به وهو استظهار القرآن ، أي أخذه عن ظهر ، فهذا التنزل مستمر فيمن شاء اللّه من عباده ، وهو تنزل القرآن على قلوب الأولياء ، ما انقطع مع كونه محفوظا لهم ولكن لهم ذوق الإنزال . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 16 ] يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) لأنه لم يبق مدع - كان يدعي الألوهية - موجودا ، فإنه تعالى لم يجعل سبيلا إلى رؤيته في هذه الدار لحصول دعاوى الكون في المرتبة الإلهية ، وبظهوره تعالى في الآخرة لا يجرأ أحد يدعيها ، فإن في الدار الآخرة يظهر حكم الجبر فلا يبقى منازع هناك أصلا ويكون الملك هناك للّه الواحد القهار ، وتذهب الدعاوى من أربابها . [ خائنة الأعين : ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 17 إلى 19 ] الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) أي يعلم أنها خيانة وكيف هي خيانة ، ولم يقل : يعلم ما أشارت به الأعين وما أومأت ، فإن المشار إليه يعلم ذلك فلا يكن مدحا ، ولكن لا يعلم كل أحد أنها خيانة إلا من أعلمه اللّه بذلك ، فهي في الخير خيانة محمودة ، وفي الشر خيانة مذمومة ، وما زالت عن كونها خيانة في الحالين ، وخائنة الأعين لا يسلم منها ، وغاية أن يسلم منها من سلم في الشر ، وأما في الخير فإنهم ربما اتخذوها في الخير طريقا محمودة ، فيومئ الكبير في حق الحاضر إلى بعض من يمتثل أمره أن يجيء إليه بخلعة أو بمال يهبه لذلك الحاضر ، يكون ذلك إيماء بالعين لا تصريحا باللفظ ، من غير شعور من يومئ في حقه بذلك الخير ، وإنما سميت خائنة عين