ابن عربي

77

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) أي من صخرة بيت المقدس ، فمن هاهنا قيل لموسى صلّى اللّه عليه وسلم عندما سار بأهله وبلغ بيت المقدس وكشف له عن سر ما أودع فيه من قيام الساعة « فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ » تنبيها على أنه انته سفرك وبلغ ما كان المراد بك من التعرف ، ولهذا قيل له « إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ » أي هذا هو الوادي الذي أودع فيه سر قيام الساعة ورجوع الخلائق إلى اللّه تعالى ، فاخلع نعليك وألق عصاك ، فإن النعل وأخذ العصا من توابع السفر ، وخلع النعل وإلقاء العصا من أعلام الإقامة ، قال الشاعر : فألقت عصاها واطمأن بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر وأما الباطن فإن حقيقة النعل ما يكون وقاية لقدم الصدق من عوائق طريق القلب إلى اللّه تعالى وما فيه من وعر وشوك ، كما نبه عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : [ تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم ، تعس وانتكس وشيك ولا انتقش ] فنبه بهذا على أن افتتان القلب بزينة الدنيا يعوق قدم الصدق عن السير إلى اللّه تعالى ، فإن عظم في عينيه منها شيء تعس به ، وإن احتقره أو استهان به كان بمثابة الشوك يدخل في قدم السائر ، فإن انتقش أي أخرجه بمنقاش الاستغفار ، وألقاه بالزهد فيه سلم وسارع بقدم صدقه إلى اللّه تعالى ، وإن أهمله كان بمثابة الشوكة التي يهملها صاحبها حتى تتمكن ويفسد بها الدم ويحصل المرض والوقوف عن السير ، وربما تمكنت فكانت سببا للموت أو ورما للقدم ، والنعلان يقيان من ذلك ، وهما الرجاء فيه والخوف منه ، كموسى صلّى اللّه عليه وسلم لما خرج خائفا يترقب ، وقال عند التوجه ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) علم أنه انتعل الخوف والرجاء وركبهما في سيره ، لأن من انتعل فقد ركب ، لحديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما في صحيح مسلم قال : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في سفر ، فقال : أكثروا من النعال فإن الرجل يظل راكبا ما انتعل . فلما بلغ موسى عليه السلام في حضرة المناجاة والتأنيس وصل في وادي التقديس ، قيل له « فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ » لأن الرجاء والخوف لأرباب السلوك لا لمن وصل وخص بمجالسة المملوك ، روينا أن نعلا موسى كانتا من جلد حمار ميت ، فجمعت ثلاثة أشياء : الشيء الواحد الجلد وهو ظاهر الأمر ، أي لا تقف مع الظاهر في كل الأحوال ، والثاني البلادة فإنها منسوبة إلى الحمار ، والثالث كونه ميتا غير مذكى والموت الجهل ، وإذا كنت ميتا لا تعقل ما تقول ولا ما يقال لك ، والمناجي لا بد أن يكون بصفة من يعقل ما يقول ويقال له ، فيكون حي