ابن عربي
6
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 17 ] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ( 17 ) فالكل بيده وإليه يرجع الأمر كله . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 18 ] وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ( 18 ) [ « لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً » ] انظر إلى قوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، الذي ليس من شأنه ولا من شأن الأنبياء عليهم السلام أن ينهزم ، ولا أن يقتل في مصاف « لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً » فوصفه بالانهزام ، وقوله صدق ، أترى ذلك عن رؤية أجسامهم ؟ أليسوا أناسي مثله ، فما ينهزم إلا من أمر يريد إعدامه ، ولا يملأ مع شجاعته وحماسته رعبا إلا من شيء يهوله ، فلو لم ير منهم ما هو أهول مما رآه ليلة إسرائه ما امتلأ رعبا مما رآه - ولا يملأ رعبا من صور أجسامهم - فذلك الذي كان يملؤه رعبا ، وما ذكر اللّه إلا رؤية عينهم ، لأنه قال « لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ » فوصفه بالاطلاع ، فهم أسفل منه بالمقام ، ومع هذا كان يولي منهم فرارا ، خوفا أن يلحق بهم فينزل من مقامه ، ويملأ منهم رعبا لئلا يؤثروا فيه ، من تأثير الأدنى في الأعلى ، ومن علم الأمر على هذا حقيق عليه أن يولي فرارا ويملأ رعبا ، هل رأيتم عاقلا يقف على جرف مهواة إلا ويفر خوفا من السقوط ، فانظر فيما تحت هذا النعت الذي وصف اللّه به نبيه لو اطلع على الفتية ، مع علو رتبتهم وشأنهم ، فعلوّه أعلى ورتبته أسنى ، فعرّفنا اللّه بذلك ، ينبهنا على علو رتبة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وانظر إلى ما ذا ترجع صور العالم هل لأنفسهم أو لرؤية الناظر ، وانظر ما ترى ، واعلم ما تنظر ، وكن بحيث تعلم لا بحيث ترى ، فإن اللّه ينكر بالرؤية ولا ينكر بالعلم ، فإذا لم ينكر بالرؤية فبشاهد العلم لم ينكر . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 19 إلى 22 ] وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ( 19 ) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ( 21 ) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 22 )