ابن عربي
59
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ تنزل الأرواح واستنزالها ] « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » أي بإذن اللّه ، وهو قول جبريل ، فإن الخاصية لا تؤثر في الملائكة ، ولا تنزل بها ، وذلك لمانع إلهي قوي يقتضيه مقام الأملاك ، أما أرواح الكواكب فتستنزل بالأسماء والبخورات وأشباه ذلك ، وكذلك الأرواح النارية ، أما من كان تنزله بأمر ربه لا تؤثر فيه الخاصية ، فإن العالم النوراني خارجون عن أن يكون للعالم البشري عليهم تولية ، فكل منهم على مقام معلوم عيّنه له ربه ، فما يتنزل إلا بأمر ربه ، فمن أراد تنزيل واحد منهم فيتوجه في ذلك إلى ربه ، وربه يأمره ويأذن له في ذلك إسعافا لهذا السائل ، أو ينزله عليه ابتداء ، وقول جبريل لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم هو ما قال له الحق أن يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم عن ربه ، ولهذا جعله من القرآن ، وهو حكاية اللّه عن جبريل ، وجبريل هو الذي نزل به ، وما أخرجه نزوله به والحكاية عنه عن أن يكون قرآنا ، فكان جبريل يحكي عن اللّه تعالى ما حكى اللّه تعالى عن جبريل أن لو قال لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ذلك لقاله له على هذا الحد في عالم الشهادة « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ، لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » فيما شاهده من قول جبريل لمحمد عليهما السلام وهم أعيان ثابتة في حال عدمهم وخطاباتهم ، أعيان ثابتة في حال عدمهم له ، فهو الإشارة إليه بقوله « نَسِيًّا » فكانت الحكاية أمرا محققا عن وجود للّه محقق لا يتصف بالحدوث ، ثم حدث الوجود لتلك الأعيان ، فأخبرت بما كان منها قبل كونها مما شاهده الحق ولم تشهده لعدم وجودها في عينها ، ومن ذلك نعلم أن المعلم على الحقيقة هو اللّه تعالى ، ورجوع التعليم بالواسطة وغير الواسطة إلى الرب ، ولذلك قال الملك « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ » « وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا » أي لا ينسى ، كان صلّى اللّه عليه وسلم يقول [ اتركوني ما تركتكم ] وقال [ لو قلت نعم - للسائل عن الحج كلّ عام - لوجبت ] وكانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل ، فكان غرض النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين علم ذلك أن يمتنع الناس عن السؤال ويجرون مع طبعهم ، حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء ، فكانت الواجبات والمحظورات تقل ، وتبقى الكثرة من قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر ولا وزر ، فأبت النفوس ذلك وأن تقف عند الأحكام المنصوص عليها ، فأثبتت لها عللا وجعلتها مقصودة للشارع ، وطردتها وألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به بعلة جامعة بينهما اقتضاها نظر الجاعل المجتهد ، ولو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة والعافية ، فكثرت الأحكام بالتعليل وطرد العلة والقياس