ابن عربي
57
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وسرور وآيات قبول ورضى ، فإن اللّه قرن هذا السجود بآيات الرحمن ، والرحمة لا تقتضي القهر والعظمة ، وإنما تقتضي اللطف والعطف الإلهي ، فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم اللّه من هذه الآيات ، فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع ، والدموع دموع فرح لا دموع ترح وكمد وحزن ، لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 59 إلى 61 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) « جَنَّاتِ عَدْنٍ » وهي جنة الإقامة « الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ » والموعد ما وقع عليه الوعد ، وهو مقام اللطف « عِبادَهُ » مقام العبودية بإضافة الاختصاص ، « بِالْغَيْبِ » يريد مقام الإيمان ، وقد يريد بالغيب حالة أوان أخذ الميثاق على النفوس ، فكان غيبا أي في عالم الأمر والملكوت « إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا » حقا وصدقا . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 62 ] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) فجعل الجنة محلا للزمان المعروف عند العرب مثل الدنيا ، فإن لأهل الجنة مقادير يعرفون بها انتهاء مدة طلوع الشمس إلى غروبها في الدنيا ، وإن لم يكن في الجنة شمس ، فالحركة - التي كانت تسير بالشمس فيظهر من أجلها طلوعها وغروبها - موجودة في الفلك الأطلس الذي على الجنة ، وهو سقفها ، والحركة بعينها فيه موجودة ، ولأهل الجنة كشف ورؤية إلى المقادير التي فيه المعبر عنها بالبروج ، فإن ذلك الفلك هو السماء الذي أقسم اللّه به في قوله ( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ) فيعلمون بها حدّ ما كان عليهم في الدنيا مما يسمى بكرة وعشيا ، وكان لهم في هذا الزمان في الدنيا حالة تسمى الغداء والعشاء ، فيتذكرونها هنالك ، فيأتيهم اللّه عند ذلك برزق يرزقهم فيها كما قال « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا » وهو رزق خاص في وقت خاص معلوم عندهم ، وما عدا ذلك فأكلهم دائم لا ينقطع ، والدوام في