ابن عربي
53
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 42 ] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) فهي شهادة بقصور نظره وعقله . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 43 إلى 44 ] يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) فلو علم أن في الرحمة ما يوجب النقمة لما عصاه ، فما عصي إلا الرحمن ، لأن كل اسم يعمل على شاكلته ، فما أعلم الأنبياء بربهم . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 45 ] يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) فإن قلت : كيف قرن إبراهيم الخليل العذاب بالرحمن هنا والاسم الرحمن لا يقتضيه في الظاهر ؟ فاعلم أنه أشار له إلى الاسم الذي هو أبوه معه في الحال ، فإنه الرحمن بلا شك ، لحصول العافية والخير والرزق والصحة الذي هو فيه وعليه ، والمعنى الآخر في مساق هذ الاسم مع العذاب ، مثل رحمة الطبيب بصاحب الأكلة فهو يعذبه في الوقت بقطع العضو الذي فيه الأكلة رحمة به حتى يحيا ، ومن رحمته نصب الحدود في الدنيا لتكون طهارة إلى الأخرى ، وهكذا في كل دار إن نظرت بعين التحقيق والرحمة الإلهية الموضوعة يصحبها في العبد العزة والسلطان ، فهي لا عن شفقة ، والرحمة الطبيعية عنها تكون الشفقة ، ولو لم تصحب الرحمة الإلهية العزة وتتنزه عن الشفقة ما عذب اللّه أحدا ، فالرحمن لا يعطي ألما موجعا إلا أن يكون في طيه رحمة يستعذبها من قام به ذلك الألم ، كشرب الدواء الذي يتضمن العافية استعماله ، فانظر ما ألطف توصيل الحق بشارته لعباده في حال الشدة والرخاء ، فإنه سبحانه ما اختار كلمة العذاب ليعبر بها عن الآلام إلا لما يؤول إليه أمر أصحابه فيستعذبه في آخر الحال ، ولذلك سماه عذابا ، وإنما يستعذبه في آخر الأمر لكونه ذكّره بربه ، فإن الإنسان إذا أصابه الضر وانقطعت به الأسباب - وهو أشد العذاب - ذكر ربه فرجع إليه مضطرا لا مختارا ، فيستعذب عند ذلك الأمر الذي رده إلى اللّه وذكّره به وأخرجه عن حكم