ابن عربي
51
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 37 إلى 39 ] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إن اللّه يظهر الموت وإن كان نسبة يوم القيامة في صورة كبش أملح ، وينادي يا أهل الجنة فيشرئبون ، وينادي يا أهل النار فيشرئبون ، وليس في النار في ذلك الوقت إلا أهلها الذين هم أهلها ، فيقال للفريقين أتعرفون هذا ؟ - وهو بين الجنة والنار - فيقولون : هو الموت ، ويأتي يحيى عليه السلام وبيده الشفرة فيضجعه ويذبحه ، وينادي مناد : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، وذلك هو يوم الحسرة ، فأما أهل الجنة إذا رأوا الموت سروا برؤيته سرورا عظيما ، ويقولون له بارك اللّه لنا فيك ، لقد خلصتنا من نكد الدنيا وكنت خير وارد علينا ، وخير تحفة أهداها الحق إلينا ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : [ الموت تحفة المؤمن ] وأما أهل النار إذا أبصروه يفرقون منه ويقولون له : لقد كنت شر وارد علينا ، حلت بيننا وبين ما كنا فيه من الخير والدعة ، ثم يقولون له : عسى تميتنا فنستريح مما نحن فيه ، فذبح الموت أعظم حسرة ، وذبحه لتنقطع الكرّة ، [ يوم الحسرة ] وإنما سمي يوم الحسرة ، لأنه حسر للجميع أي ظهر عن صفة الخلود الدائم للطائفتين ، ثم تغلق أبواب النار غلقا لا فتح بعده ، وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضها في بعض ليعظم انضغاط أهلها فيها ، ويرجع أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها ، وترى الشياطين والناس فيها كقطع اللحم في القدر إذا كان تحتها النار العظيمة ، تغلي كغلي الحميم ، فتدور بمن فيها علوا وسفلا ، كلما خبت زدناهم سعيرا بتبديل الجلود ، وقد يكون يوم الحسرة يوم القيامة يوم يقول الشقي : يا حسرتا على ما فرطت ، فهو يوم الحسرة أي يوم الكشف لإظهاره ما كان يخفى ويبطن ، لأنه من حسرت الثوب عني فظهر ما تحته أي أزلته ، أو من حسرت عن الشيء إذا كشفت عنه ، فكأنه يقول : يا ليتني حسرت عن هذا الأمر في الدنيا فأكون على بصيرة من أمري ، فإن أحدا لا يؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه ، فهو الذي آخذ نفسه فلا يلومن إلا نفسه ، ومن أحوال ذلك اليوم أن المؤمن الذي لا علم له وهو من أهل الجنة ، يرى منازل العلماء