ابن عربي
49
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فأراد ما دام في عالم التكليف والتشريع ، يعني حياة التكليف في ظاهر الأمر عند السامعين ، وعندنا أنه لما أوصاه بالصلاة والزكاة وهي العبادة ، دل على أنه لا يزال حيا أينما كان ، وإن فارق هذا الهيكل بالموت فالحياة تصحبه ، لأنها صفة نفسية له ، ولا سيما وقد جعله روح اللّه . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 32 ] وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) [ قول عيسى عليه السلام : « وَالسَّلامُ عَلَيَّ . . . » ] ثم ذكر عليه السلام أنه بر بوالدته أي محسن إليها ، فأول إحسانه أنه برأها مما نسب إليها في حالة لا يشكون في أنه صادق في ذلك التعريف ، فمن بره بها كونه برأها مما نسب إليها بشهادته ، وأخبر أنه شق في خلقه ، فإن لأمه عليه ولادة لما كانت محل تكوينه ، وذلك بقوله « وَبَرًّا بِوالِدَتِي » ولم يقل : برا بوالديّ ، فأخبر أنه شق أي من أنثى فقط ، فقلت نسبته العنصرية ، وأتى عليه السلام في كل ما ادعاه ببنية الماضي ليعرف السامع بحصول ذلك كله عنده وهو صبي في المهد ، وقد ذكر أنه آتاه الكتاب والحكمة ، ولكن غاب عن أبصار الناس إدراك الكتاب الذي آتاه حتى ظهر في زمان آخر ، وأما الحكمة فظهر عينها في نفس نطقه بمثل هذه الكلمات وهو في المهد ، وهو يريد بلفظ الماضي الحال والاستقبال ، فما كان منه في الحال فنطقه شهادة ببراءة أمه ، وتنبيها وتعليما لمن يريد أن يقول فيه إنه ابن اللّه ، فنزه اللّه ، وهو نظير براءة أمه مما نسبوا إليها ، فهو في جناب الحق تنزيه وفي جناب الأم تبرئة ، ويدل لفظ الماضي فيه « وأينما كنت » أن يكون له التعريف بذلك من اللّه ، ثم تمم فقال « وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » إذ لا يكون ذلك ممن يكون إلا بالجهل ، والجهل فيه إنما هو من قوة سلطان ظلمة العنصر ، ويريد بقوله « وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً » فإن الجبروت وهو العظمة يناقض العبودة وهو قوله ( إني عبد اللّه ) ويريد أيضا بقوله « وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً » أي لا أجبر الأمة التي أرسل إليها بالكتاب والصلاة والزكاة ، إنما أنا مبلغ عن اللّه لا غير ، ثم قال معرّفا عن أمر إلهي . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 33 ] وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) قول عيسى عليه السلام أكمل في الوصلة ممن قيل فيه ( وسلام عليه يوم ولد ) وهو