ابن عربي
44
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بينه تعالى وبين مريم في إيجاد عيسى [ دقيقة : لم غلب على أمة عيسى القول بالصورة ] - دقيقة - لما كان وجود عيسى عليه السلام عن تمثل روح في صورة بشر ولم يكن عن ذكر بشري ، لهذا غلب على أمة عيسى ابن مريم دون سائر الأمم القول بالصورة ، فيصورون في كنائسهم مثلا ويتعبدون في أنفسهم بالتوجه إليها ، فإن أصل نبيهم عليه السلام كان عن تمثل ، فسرت تلك الحقيقة في أمته إلى الآن . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 18 ] قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) لما تمثل جبريل لمريم عليها السلام بشرا سويا ، تخيلت أنه يريد مواقعتها ، فاستعاذت منه ، استعاذت بجمعية منها ليخلصها اللّه منه لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 19 ] قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) « قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ » جئت « لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » تمثل الملك لمريم بشرا سويا وجعله الحق تعالى روحا ، إذ كان جبريل روحا ، فوهبها عيسى عليه السلام ، فكان انفعال عيسى عن الملك الممثل في صورة الرجل ، ولذلك خرج على صورة أبيه ، إذ كل مؤثّر أب وكل مؤثّر فيه أم ، والمتولد من ذلك يسمى ابنا ومولدا ، فخرج عيسى ذكرا بشرا روحا ، فجمع بين الصورتين اللتين كان عليهما أبوه الذي هو الملك ، فإنه روح في عينه بشر من حيث تمثله في صورة البشر ، فما تكون عيسى إلا عن اثنين ، فجبريل وهب لمريم عيسى في النفخ كما ينفخ الروح في الصورة عند تسويتها ، فصورة عيسى مثل تجسد الأرواح لأنه عن تمثل ، فلو تفطنت لخلق عيسى لرأيت علما عظيما تقصر عنه أفهام العقلاء ، وهو التحاق البشر بالروحاني والتحاق الروحاني بصورة البشر ، فخرج عيسى على صورة جبريل في المعنى والاسم والصورة ، ففي الصورة كان بشرا لتمثل جبريل في صورة البشر ، وفي الاسم فإن عيسى سمي روحا وجبريل من أسمائه الروح ، وفي المعنى فكان يحيي الموتى كما يحيي جبريل . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 20 ] قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 )