ابن عربي

38

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

كأنه تعالى يقول : إن الحق لا يعبد من حيث أحديته ، لأن الأحدية تنافي وجود العابد ، فكأنه يقول : لا يعبد إلا الرب من حيث ربوبيته ، فإن الرب أوجدك ، فتعلق به وتذلل له ولا تشرك الأحدية مع الربوبية في العبادة ، فتتذلل لها كما تتذلل للربوبية ، فإن الأحدية لا تعرفك ولا تقبلك ، فيكون تعبد في غير معبد ، وتطمع في غير مطمع ، وتعمل في غير معمل ، وهي عبادة الجاهل ، فنفى عبادة العابدين من التعلق بالأحدية ، فإن الأحدية لا تثبت إلا للّه مطلقا ، وإنما ما سوى اللّه فلا أحدية له مطلقا ، فهذا هو المفهوم من هذه الآية عندنا من حيث طريقنا في تفسير القرآن ، ويأخذ أهل الرسوم في ذلك قسطهم أيضا تفسيرا للمعنى ، فيحملون الأحد المذكور على ما اتخذوه من الشركاء ، وهو تفسير صحيح أيضا ، فالقرآن هو البحر الذي لا ساحل له ، إذ كان المنسوب إليه يقصد به جميع ما يطلبه الكلام من المعاني بخلاف كلام المخلوقين . ( 19 ) سورة مريم مكيّة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) [ ذكر الرحمة العبد ] في هذه الآية الرحمة هي التي تذكر العبد ما هو يذكرها ، فتعطيه بذكره حقيقة ما فيها لأنها تطلب منه التعشق بها ، فإنه لا ظهور لها إلا به ، فهي حريصة على مثل هذا ، وهذه الآية تعريف إلهي بوجوب حكم الرحمة فيمن تذكره من عباده سبحانه وتعالى ، وجاء زكريا لا لخصوص الذكر ، وإنما ساقته عناية العبد ، فإنها ما ذكرته إلا لكونه عبدا له تعالى في جميع أحواله ، فأي شخص أقامه اللّه في هذا المقام فبرحمته به أقامه لتذكره رحمة ربه عنده تعالى ، فحال عبوديته هو عين رحمته الربانية التي ذكرته ، فأعلمت ربها أنها عند هذا العبد ، فأي شيء صدر من هذا الشخص فهو مقبول عند اللّه تعالى ، ومن هذا المقام يحصل له من اللّه ما يختص به مما لا يكون لغيره ، وهو الأمر الذي يمتاز به ويخصه ، فإنه لا بد لكل مقرّب عند اللّه من أمر يختص به .