ابن عربي
30
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
هكذا حال الأدباء ، [ إشارة : سفينتك مركبك فاخرقه بالمجاهدة ] فتعلمنا قصة الخضر مع موسى عليه السلام أدب الإضافة ، فقد أضاف الخضر خرق السفينة إليه ، إذ جعل خرقها عيبا ، وأضاف قتل الغلام إليه ، وإلى ربه لما فيه من الرحمة بأبويه ، وما ساءهما من ذلك أضاف إليه ، وأضاف إقامة الجدار إلى ربه لما فيه من الصلاح والخير ، فقال تعالى عن عبده خضر في خرق السفينة ( فأردت أن أعيبها ) تنزيها أن يضاف إلى الجناب العالي ما ظاهره ذم في العرف والعادة ، وقال في إقامة الجدار لما جعل إقامته رحمة باليتيمين لما يصيبانه من الخير الذي هو الكنز ( فأراد ربك ) يخبر موسى عليه السلام ( أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ) وقال لموسى عليه السلام في حق الغلام : إنه طبع كافرا ، والكفر صفة مذمومة ، وأراد أن يخبره بأن اللّه يبدل أبويه خيرا منه زكاة وأقرب رحما ، فأراد أن يضيف ما كان في المسألة من العيب في نظر موسى عليه السلام ، حيث جعله نكرا من المنكر ، وجعله نفسا زاكية قتلت بغير نفس ، قال ( فأردنا أن يبدلهما ربهما ) فأتى بنون الجمع ، فإن في قتله أمرين : أمر يؤدي إلى الخير ، وأمر إلى غير ذلك في نظر موسى وفي مستقر العادة ، فما كان من خير في هذا الفعل فهو للّه من حيث ضمير النون ، فنون الجمع لها وجهان لما فيها من الجمع ، وجه إلى الخير به أضاف الأمر إلى اللّه ، ووجه إلى العيب به أضاف العيب إلى نفسه ، وجاء بهذه المسألة والواقعة في الوسط لا في الطرف بين السفينة والجدار ، ليكون ما فيها من عيب من جهة السفينة ، وما فيها من خير من جهة الجدار ، فلو كانت مسألة الغلام في الطرف ابتداء أو انتهاء لم تعط الحكمة أن يكون كل وجه مخلصا من غير أن يشوبه شيء من الخير أو ضده ، وبذلك يلي وجه العيب جهة السفينة ، ويلي وجه الخير جهة الجدار فاستقامت الحكمة - إشارة - سفينتك مركبك فاخرقه بالمجاهدة ، وإن جعلتها النفس فاخرقها بالرياضات ، وغلامك هواك فاقتله بسيف المخالفة ، وجدارك عقلك ، لا بل الأمر المعتاد في العموم ، فأقمه تستر به كنز المعارف الإلهية عقلا وشرعا حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، وهو إذا بلغ عقلك وشرعك فيك أشدهما ، وتوخيا ما يكون به المنفعة في حقهما استخرجا كنزهما ، فإن الجدار لم يمل إلا عبادة ليظهر ما تحته من كنوز المعارف ، التي يستغني بها العارف الواقف ، فخلق اللّه الغيرة في صورة الخضر فأقامه من انحنائه ، لما علم أن الأهلية ما وجدت في ذلك الوقت في رب المال ، فيقع التصرف فيه على غير وجهه ، ( ولتعلمن نبأه بعد حين )