ابن عربي
28
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فكانت الثالثة ، ونسي موسى حالة قوله ( إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) وما طلب الإجارة على سقايته مع الحاجة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 78 ] قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) فحصل لموسى عليه السلام مقصوده ومقصود الحق في تأديبه ، فعلم أن للّه عبادا عندهم من العلم ما ليس عنده . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 79 ] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) من كلام خضر يعلم أدب الإضافة ، فقال « فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها » لذكره العيب وهو ما يذم ، وقال في الغلام ( فأردنا أن يبدلهما ) للاشتراك بين ما يحمد ويذم ، وقال في الجدار ( فأراد ربك ) لتخليص المحمدة فيه ، فيكتسب الشيء الواحد بالنسبة ذما ، وبالإضافة إلى جهة أخرى حمدا وهو عينه ، وتغير الحكم بالنسبة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 80 ] وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 ) وقد شهد اللّه للخضر بأنه رحيم ، اقتلع رأس الغلام وقال : إنه طبع كافرا ، فلو عاش أرهق أبويه طغيانا وكفرا ، وانتظم الغلام في سلك الكفار ، فقتله الخضر رحمة به وبأبويه ، أما الصبي حيث أخرجه من الدنيا على الفطرة فسعد الغلام - واللّه أعلم - وسعد أبواه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 81 ] فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( 81 ) الضمير في قوله « فَأَرَدْنا » يعود على الخضر وعلى اللّه ، فيعود على اللّه تعالى بما كان في ذلك القتل من الرحمة بالأبوين وبالغلام ، وعلى الخضر بقتل نفس زكية بغير نفس ، فظاهره جور ، فشرك في الضمير بينه وبين اللّه .