ابن عربي

17

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

سوى اللّه ، فهذه الآية دليل على عدم تجلي الحق في الأفعال ، أعني نسبة ظهور الكائنات عن الذات التي تتكون عنها ، فما أشهدهم خلق السماوات ولا الأرض ولا خلق أنفسهم ، أي صدورها إلى الوجود ، أراد حالة الإيجاد ، فما شاهد أحد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها ، فإن الخلق يريد به المخلوق في موضع ، مثل قوله ( هذا خلق اللّه ) ويريد به الفعل في موضع ، مثل قوله « ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ » فهنا يريد به الفعل بلا شك ، لأنه ليس لمخلوق فعل أصلا ، فما فيه حقيقة من اللّه يشهد بها فعل اللّه ، وما لمخلوق مما سوى اللّه ولا العقل الأول أن يعقل كيفية اجتماع نسب يكون عن اجتماعها عين وجودية مستقلة في الظهور وغير مستقلة في الغنى ، مفتقرة بالإمكان المحكوم عليها به ، وهذا علم لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وليس في الإمكان أن يعلمه غير اللّه تعالى ، ولا يقبل التعليم ، أعني أن يعلّمه اللّه من شاء من عباده ، فأشبه العلم به العلم بذات الحق ، والعلم بذات الحق محال حصوله لغير اللّه ، فمن المحال حصول العلم بالعالم أو بالإنسان نفسه أو بنفس كل شيء لنفسه لغير اللّه ، فتفهم هذه المسألة فإني ما سمعت ولا علمت أن أحدا نبه عليها وإن كان يعلمها ، فإنها صعبة التصور ، مع أن فحول العلماء يقولون بها ولا يعلمون أنها هي « وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » يعتضد بهم . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 52 إلى 54 ] وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 ) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 ) الصمت حكمة وقليل فاعله ، فمن تكلم باللّه كانت الحجة له ، فإن الحجة البالغة للّه ، ومن تكلم بنفسه كان محجوبا ، كما أن الحق إذا تكلم بعبده كان كلامه ظاهرا بحيث يقتضيه مقام عبده ، فإذا رد الجواب عليه عبده به لا بنفسه ، وظهر حكمه على كلام ربه ، نادى الحق عليه « وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا » وإن قال الحق ، ولكن ما كل حق يحمد ،