ابن عربي

11

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

رسوله وما يريده منه ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أقبل عليه هؤلاء الأعبد قال صلّى اللّه عليه وسلم [ مرحبا بمن عتبني فيهم ربي ] ويمسك نفسه معهم في المجلس حتى يكونوا هم الذين ينصرفون ، ولم تزل هذه أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذلك إلى أن مات ، فما لقيه أحد بعد ذلك فحدثه إلا قام معه حتى يكون هو الذي ينصرف ، وكذلك إذا صافحه شخص لم يزل يده من يده حتى يكون الشخص هو الذي يزيلها ، هكذا رويناه من أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم - فائدة - إن كان العبد قوي الإيمان ، غير متبحر في التأويل ، خائضا في بحر الظاهر ، لا يصرفه للمعاني الباطنة صارف ، انتفع بالذكرى ، فإن تأول تردى وأردى من اتبعه ، وكان من الذين اتبعوا أهواءهم ، وكان أمر من هذه صفته فرطا فإن النفوس مجبولة على حب إدراك المغيبات ، واستخراج الكنوز وحل الرموز ، وفتح المغاليق والبحث عن خفيات الأمور ودقائق الحكم ، ولا ترفع بالظاهر رأسا ، فإن ذلك في زعمها أبين من فلق الصبح ، ومن أحكم الظاهر كشف اللّه له عند ذلك في هذه الظواهر ما لا يخطر بخاطر أحد ، ويعظم قدره وتظهر حكمته وكثرة خيره ، ويعلم الجاهل عند ذلك أنه ما كان يحسبه هينا هو عند اللّه عظيم ، فإن الجاهل بالظاهر بالباطن أجهل ، فإنه الدليل عليه ، وإن فرط في تحصيل الأول كان في تحصيل الآخر أشد تفريطا - نصيحة - الزم باب اللّه واصبر نفسك مع أحبابه الذين تحقرهم العيون ، فذلك الذي رفعهم عند الحق . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 29 ] وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » - الوجه الأول - أي لا تأخذكم في اللّه لومة لائم ، وهو قوله تعالى ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) وقوله تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) و ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) - الوجه الثاني - وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء اللّه أن يكفر فليكفر ، فإنهم ما يشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين ، ثم ذكر تعالى ما للظالمين عند اللّه في الآخرة فقال تعالى « إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً