ابن عربي
76
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) [ نكتة وسر دقيق في قوله تعالى : « إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ » ] فأثنى عليهم لما سمعوا داعيه بالإجابة التي أمرهم بها سبحانه في قوله : ( يا قومنا أجيبوا داعي اللّه ) وكرامة عنده سبحانه وتعالى إجابته لهم إذا دعوه ، لارتباط الحكمة في المناسبة ، فلا يجاب إلا من يجيب ، ألا تراه سبحانه وتعالى كيف قال : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ) فإذا صحت لهؤلاء الإجابة لما دعاهم إليه ، وهو حقيقة السماع ، صحّ لهم إجابته إذا دعوه ، واللّه ذو الفضل العظيم . وجعل تعالى علة الإجابة السماع ، لا من قال إنه سمع وهو لم يسمع ، كما قال تعالى ينهانا أن نكون مثل هؤلاء فقال : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » فالسمع هنا هو عين العقل لما أدركته الأذن بسمعها من الذي جاء به المترجم عن اللّه تعالى ، وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، فإذا علم ما سمع ، كان بحسب ما علم ، فإن العلم حاكم قاهر في حكمه لا بد من ذلك ، وإن لم يكن كذلك فليس بعلم ، وقد دعانا اللّه لما خلقنا له من عبادته فسمعنا ولما سمعنا استجبنا ، فأخبر اللّه عنا بسرعة الإجابة لما ذكرها ببنية الاستفعال ، وهنا نكتة وسر دقيق ، فهذه الآية تشير إلى شمول رحمة اللّه بخلقه فأخبر أنه ما استجاب إلا من سمع فوجد العذر من لم يسمع ، كما وجد العذر من لم تبلغه الدعوة الإلهية ، فحكمه حكم من لم يبعث اللّه إليه رسولا ، وهو تعالى يقول : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » وما هو رسول لمن أرسل إليه حتى يؤدي رسالته ، فإذا سمع المرسل إليه أجاب ولا بد ، كما أخبر اللّه تعالى عنه لما جاء به هذا الرسول في رسالته ، فإذا رأينا من لم يجب علمنا بإخبار اللّه أنه ما سمع ، فأقام اللّه له حجة يحتج بها يوم يجمع اللّه الرسل ، وما أقام اللّه العذر عن عباده إلا وفي نفسه أن يرحمهم ، فرحم بعض الناس بما أسمعهم فاستجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ، ومن لم يستجب اعتذر اللّه عنه بأنه لم يسمع ، وهذا من حكم الغيرة الإلهية على الألوهة أن يقاومها أحد من عباده بخلاف ما دعت إليه ، إذ لو علم أنهم سمعوا وما استجابوا لعظّمهم في أعين الناس ، وجعلهم في مقام المقاومة له ، فلا تقل فيمن لم يجب إنه سمع فتخالف اللّه فيما أخبر عنهم ، وقد أخبر اللّه تعالى عنهم أن بهم صمما وأخبر عنهم أنهم قالوا : في آذاننا وقر ، فطابق قولهم في آذاننا وقر قول اللّه أنهم صم ، فلم يسمعوا .