ابن عربي

65

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

أول ابتلاء ابتلى اللّه به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم ، وإنما جعل الرسول من الجنس لاستخراج عيب النفس ، وأنزل بلسان قومه لرفع اللبس ، فالرسول من جنس المرسل إليه ، فإن دعا أمر أن يكون من غير الجنس في الحقيقة فلا بد وأن يظهر لهم في صورة الجنس في عالم تمثيل الرقيقة ، مثل تمثل الروح لمريم بشرا سويا . خليفة القوم من أبناء جنسهم * لأن ذلك أنكى في نفوسهم لو لم يكن منهم لصدقوه ولم * يقم بهم حسد لغير جنسهم فتنكر الأشخاص للجنسية ، وهي الفتنة الإلهية وقال تعالى : « لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا » وقالوا : « ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا » وقال تعالى : « يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ » فهم ينظرون ظاهره وينكرونه إنكارا يؤدي إلى الموت . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 10 إلى 12 ] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) [ الرحمة ثلاث رحمات ] الرحمة ثلاث رحمات : الرحمة الذاتية ، ومنها الرحمة المخلوقة في عباده ليتراحموا بها ، والرحمة الثانية : هي الرحمة المكتوبة ، وهي منفصلة عن الرحمة الذاتية ، والرحمة الثالثة : هي الرحمة الامتنانية التي وسعت كل شيء ، فمن كرمه تعالى كتب على نفسه الرحمة ، أي أوجب وفرض على نفسه الرحمة ، لم يوجب ذلك عليه موجب ، بل هو سبحانه الموجب على نفسه منة منه وفضلا علينا ، فإنه لا يجب على اللّه شيء بإيجاب موجب غير نفسه ، فإن أوجب هو على نفسه أمرا ما ، فهو الموجب والوجوب والموجب عليه لا غير ، ومع أن الحق أوجب على نفسه ، فإن الحقيقة تعطي أن العبد لا يستحق شيئا على سيده فمن منته سبحانه على عبده أن أوجب له على نفسه ليأنس العبد بما أوجبه الحق عليه من طاعته ليسارع