ابن عربي

51

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

- [ قول الرسل عليهم السلام يوم القيامة « لا علم لنا . . . » ] الوجه الأول - من لا ينطق عن الهوى لا يسأل عما يقول سؤال مناقشة وحساب ، ولكن قد يسأل سؤال استفهام لإظهار علم يستفيده السامعون ، كسؤال الحق رسله وهم لا ينطقون عن الهوى يوم يجمعهم فيقول : « ما ذا أُجِبْتُمْ » فيقولون : « لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » ، فيعلم أهل الموقف أصحاب الكشف أنّ الرسل هم أتم العالم كشفا ، ومع هذا فما أطلعهم اللّه على إجابة القلوب من أممهم ، ولا إجابة من وصلت إليهم دعوتهم ولم يكونوا حاضرين ، ولا من كان حاضرا وأجابه بلسانه ، هل أجابه بقلبه كما أجابه بلسانه ؟ فإن قلت : فقد سمع إجابة من أجابه بلسانه وما أجابه به ، قلنا : لقرائن الأحوال حكم لا يعرفه إلا من شاهدها ، وقد عرفنا من عين جواب الرسل عليهم السلام أنهم فهموا عن اللّه عند هذا السؤال أنه أراد إجابة القلوب ، فإنهم قالوا : « لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » فلو فهموا من سؤاله تعالى إجابة الألسنة لفصّلوا بين من سمعوا إجابته بإقراره بلسانه ، وبين من لم يسمعوا ذلك منه ، فلما ذكروا في الجواب « الْغُيُوبِ » علمنا أن السؤال كان عن جواب القلوب ، واستفدنا من هذا أنّ الذي يكشف له ما يلزم أن يعم كشفه كل شيء ، لكن عنده استعداد الكشف لا غير ، فما جلى له الحق من أسرار العالم في مرآة قلبه إن كان معنى ، أو في مرآة بصره إن كان صورة كشفه ورآه لا غير . وأما عن سؤال الحق الرسل وطلبه منهم العلم فإنهم أصحاب الكشف الأتم ، ولكنهم لا يعرفون ما آل إليه أمر المبصرات في زمان رفع الكشف هل بقوا على ما كانوا عليه ؟ أو هل انتقلوا عن ذلك فقالوا : « لا عِلْمَ لَنا » والجواب بالظنون لا يليق ، ثم تمموا فقالوا : « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » فقيدوه بالغيوب فإنه في يوم تبلى فيه السرائر ، والسرائر غيوب العالم بعضهم عن بعض ، فعلمنا الحق بهذه الآية التأدب مع أصحاب الكشف ، وأن نعلم مراتب الكشف لئلا ننزل صاحب