ابن عربي
33
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
على علم اللّه فيه مع معقول المعنى الوارد المتلفظ به من يد وإصبع وعين وغير ذلك ، ولكن يجهل النسبة إلى أن يكشف اللّه له عن بصيرته فيدرك المراد من تلك العبارة كشفا . فإن اللّه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه ، أي بما تواطئوا عليه من التعبير عن المعاني التي يريد المتكلم أن يوصل مراده فيما يريد منها إلى السامع ، فالمعنى لا يتغير البتة عن دلالة ذلك اللفظ عليه ، وإن جهل كيف ينسب فلا يقدح ذلك في المعقول من معنى تلك العبارة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا » وهو معالجة الأعمال والاكتساب « التَّوْراةَ » وهم أمة موسى « وَالْإِنْجِيلَ » وهم أمة عيسى « وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ » وهم أهل القرآن وجميع كل من أنزلت عليه صحيفة ، فأقاموا كتاب اللّه وما أنزل إليهم من ربهم ، فهم المسارعون في الخيرات ، وهم لها سابقون « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » يوم القيامة في الحشر يوضع الصراط من الأرض المبدلة علوا على استقامة إلى سطح الفلك المكوكب الذي يرجع في ذلك اليوم ما تحت مقعره جهنم ، فيكون منته الصراط إلى المرج الذي خارج سور الجنة ، وفي ذلك المرج المأدبة ، وهي در مكة بيضاء نقية منها يأكل أهل المأدبة ، وهو قوله تعالى في المؤمنين من بني إسرائيل إذا أقاموا التوراة والإنجيل ، ونحن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم نقيم كل ما أنزل إلينا من ربنا بالإيمان به ، ونعمل من ذلك بما أمرنا من العمل به ، وغيرنا من الأمم منهم من آمن كما آمنا ، ومنهم من آمن ببعض وكفر ببعض ، فمن نجا منهم قيل فيه « لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ » وهو ما خرج من فروع أشجار الجنان على السور فظلل على هذا المرج فقطفه السعداء « وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » هو ما أكلوه من الدرمكة البيضاء التي هم عليها . - تفسير [ من باب الإشارة - - الوجه الأول - يشير الحق تعالى إلى أنهم لو أقاموا الكتاب ] من باب الإشارة - - الوجه الأول - يشير الحق تعالى إلى أنهم لو أقاموا الكتاب من رقدته ، فإن التأويل من العلماء أضجعه بعد ما كان قائما ، فجاء من وفقه اللّه فأقامه من رقدته أي نزهه عن تأويله والتعمل فيه بفكره ، فقام بعبادة ربه وسأله أن يوقفه على مراده