ابن عربي
23
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لذاته ، والجهاد في العالم التفصيلي وسيلة وآلة ومطلوب لغيره ، والشيء الذي يكون مقصودا ومطلوبا لذاته ، أكبر وأعلى من شيء تكون هي في رتبة الوسيلة والآلة والمطلوبية لغيره . فالجهاد في سبيل اللّه يعمّ الجهادين الأصغر والأكبر ، والجهاد في اللّه حق جهاده يختص بالجهاد الأكبر ، وهو الجهاد مع النفس في منعها عن حظوظها بجميع المراتب والمقامات والأحوال والأخلاق والعلوم ، وفي صرفها عن استيفاء جميع حظوظها ولذاتها ومراداتها ، وفي قطع آمالها وأمانيها وقطع نظرها عن التطلع إلى شيء من الأجر في الأعمال القلبية والقالبية ، وفي سدّ باب رؤيتها شيئا منها مضافة إليها ، وقلع شاماتها باستراق الحظوظ الخفية مما منح القلب والروح والسرّ من مواهب التجليات والعلوم والمكاشفات والمشاهدات وغير ذلك . وأما سرّ استعمال صيغة الترجي عند حصول أسباب الفوز والنجاح بحصول المطلوب وهي التجلي تجلية القرب ، واستقبال حقيقة الحب ، في قوله تعالى : « لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فهو الإشارة إلى أن الأسباب كلها معدات لا مؤثرات ، والمؤثر إنما هو الحق تعالى بقدرته عند الأسباب ، فإن الفاعل لا يظهر فعله إلا بعد حصول تمام القابلية والاستعداد لقبول ظهور الفعل ، وحصول تمام القابلية والاستعداد لقبول ظهور فعل الحق من حيث قدرته أمر مخفي على العبد ، لاحتمال بقية شرط خفي من شرائط تمام السببية ، ويحصل تمام الاستعداد بصيغة الترجي عائدة إلى حصول تمام القابلية والاستعداد لقبول فعلي الفلاح والإنجاح وإعطاء المطلوب والمقصود ، فكأنه تعالى يقول : تسببوا وحصلوا استعداد قبول فعل تقريبي فيكم ، بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيلي ، لعلكم تصلون إلى تمام حصول الاستعداد والقابلية وتمام شرائطها ، ويترتب على ذلك فلا حكم وفوزكم بالقرب بظهور فعل تقريبي فيكم ، فكلما جاء في الكتاب العزيز من صيغ الترجي فراجع إلى هذا المعنى فاعلم ذلك . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) النار دار انتقال من حال إلى حال ، والحكم في عاقبتها للرحمة ، والنعمة ، وإزالة الكرب