ابن عربي

565

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الحنطة والشعير والتمر ، وهي في الاعتبار ما تنبته الأرواح والنفوس والجوارح من العلوم والخواطر والأعمال ، وجعلنا الغنم للأرواح فإنها جعلت فداء ولد إبراهيم عليه السلام ، نبي ابن نبي ، وجعلنا الإبل للأجسام لمناسبة الاسم ، فإن الجسم يسمى البدن ، والإبل من أسمائها البدن ، وكون البقر في مقابلة النفوس وهي دون الغنم في الرتبة وفوق الإبل ، كالنفس فوق الجسم ودون العقل الذي هو الروح الإلهي ، والروح الذي هو العقل يظهر عنه مما زرع اللّه فيه من العلوم والحكم والأسرار ما لا يعلمه إلا اللّه ، فهو بمنزلة الزكاة في الحنطة ، لأنها أرفع الحبوب ، وإن النفس يظهر عنها مما زرع اللّه فيها من الخواطر والشبهات ، ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، فهذا نباتها وهو بمنزلة التمر ، وأما الجوارح فزرع اللّه فيها الأعمال كلها فأنبتت الأعمال ، وحظّ الزكاة منها الأعمال ، والورق العمل والذهب هو العلم ، والزكاة في العمل المفروض منه ، والزكاة في العلم أيضا المفروض منه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 163 إلى 164 ] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام بغير واسطة بكلامه سبحانه بلا ترجمان . ولذلك أكده في التعريف لنا بالمصدر لرفع الإشكال ، وفي ذلك إشارة إلى فضله على غيره بخطاب مخصوص على رفع الحجاب ، لم يسمعه من ذلك المقام غيره ، وكلّم اللّه تعالى موسى عليه السلام من حجاب النار والشجرة وشاطئ الوادي الأيمن وجانب الطور الأيمن وفي البقعة المباركة . واعلم أن الكلام والقول نعتان للّه ، فبالقول يسمع المعدوم ، وهو قوله تعالى : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » وبالكلام يسمع الموجود ، وهو قوله تعالى : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً : وقد يطلق الكلام على الترجمة في لسان المترجم ، وينسب الكلام إلى المترجم عنه في ذلك . فالقول له أثر في المعدوم وهو الوجود ، والكلام له أثر في الموجود ، وهو