ابن عربي

562

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 160 إلى 162 ] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 ) [ الزكاة ] « وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ » الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع فلا خلاف فيها ، واتفق العلماء على أنها واجبة على كل مسلم حرّ بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما ، والزكاة واجبة في المال لا على المكلّف ، وإنما هو مكلف في إخراجها من المال ، فالزكاة أمانة بيد من هو المال بيده لأصناف معينين ، وما هو مال للحر ولا للعبد ، فوجب أداؤه لأصحابه ممن هو عنده وله التصرف فيه حرا كان أو عبدا من المؤمنين ، والأولى أن يكون كل ناظر في المال هو المخاطب بإخراج الزكاة منه ، وعلى ذلك فإن الوصي على المحجور عليه يخرج عنه الزكاة وليس له فيه شيء ، ولهذا قلنا إنه حق في المال ، فإن الصغير لا يجب عليه شيء ، وقد أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة ، وعلى ذلك فإن الصدقة أي الزكاة واجبة في مال اليتيم يخرجها وليه ، وواجبة في مال المجنون المحجور عليه يخرجها وليه ، وواجبة في مال العبد يخرجها العبد ، أما أهل الذمة فالذي أذهب إليه أنه لا يجوز أخذ الزكاة من كافر وإن كانت واجبة عليه مع جميع الواجبات ، لأنه لا يقبل منه شيء مما كلّف به إلا بعد حصول الإيمان به ، فإن كان من أهل الكتاب ففيه عندنا نظر ، فإن أخذ الجزية منهم قد يكون تقريرا من الشارع لهم على دينهم الذي هم عليه ، فهو مشروع لهم ، فيجب عليهم إقامة دينهم ، فإن كان فيه أداء زكاة وجاءوا بها قبلت منهم ، وليس لنا طلب الزكاة من المشرك وإن جاء بها قبلناها ، والكافر هنا المشرك ليس الموحد ، فلا زكاة على أهل الذمة بمعنى أنها لا تجزي عنهم إذا أخرجوها مع كونها واجبة عليهم كسائر فروض الشريعة ؛ لعدم الشرط المصحح لها ، وهو الإيمان بجميع ما جاءت به الشريعة لا بها ولا ببعض ما جاء به الشرع ، فلو آمن بالزكاة وحدها أو بشيء من الفرائض أنها فريضة ، أو بشيء من النوافل