ابن عربي
556
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 142 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) ما يخادع اللّه إلا جاهل باللّه غاية الجهل . وقوله تعالى « يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ » أي خداعهم هو خداع اللّه بهم فهو خادعهم بعين اعتقادهم أنهم يخادعون اللّه . وقال تعالى « وَهُوَ خادِعُهُمْ » ولم يقل مخادعهم ، فإنه يخدعهم حقيقة ، وهم لا يقدرون أن يخدعوه . « وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ » فهم في بواطنهم على خلاف ما يبدو للناس . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 143 إلى 145 ] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إذا كان يوم القيامة يحشر اللّه هذه الأمة وفيها منافقوها ، فإذا انبعثت كل أمة إلى ما كانت تعبد ، ودخلت الأمم النار ، ونصب الصراط على جسر جهنم ، أتي بالمنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم وصلوا وصاموا ، وقاموا بفروع الشريعة في الصورة الظاهرة كما قام المؤمنون ، أتى بهم اللّه تعالى حتى انفهقت لهم الجنة بما تحويه من الخير والسرور ، فتنعموا برؤيتها وظنوا أنهم داخلوها ، فكانت تلك النظرة والفرح الذي قام لهم بالطمع بدخولها جزاء لما جاءوا به من الأعمال الظاهرة ظاهرا بظاهر ، عدلا منه سبحانه . فإذا طابق الجزاء أعمالهم وأخذوا حقّهم ، وهم لا يعلمون أنهم يصرفون عنها ، ضرب اللّه بينهم وبين الجنة سورا ، باطنه الجنة ، وظاهره من قبله العذاب ، فيؤمر بهم إلى النار ، فهذا هو استهزاء اللّه بهم وسخرية اللّه بهم ، فجمع سبحانه في هذا الفعل الواحد بين العدل والاستهزاء كما جمعوا بين الإسلام