ابن عربي

553

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 136 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) [ « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا » ] - الوجه الأول - « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » في الأخذ الميثاقي « آمَنُوا » لقول الرسول إليكم من عندنا ، فلولا أن الإيمان كان عندهم ما وصفوا به ، فما ثم إيمان محدث بل هو مكتوب في قلب كل مؤمن ، فإن زال في حقّ المريد الشقاء ، فإنما تزول وحدانية المعبود لا وجوده ، وبالتوحيد تتعلق السعادة ، وبنفيه يتعلق الشقاء المؤبد . فما في العالم إلا مؤمن ، لأن ما في العالم إلا من هو ساجد للّه إلا بعض الثقلين من الجن والإنس ، فإن الإنسان الواحد منهم كثيرا ممن يسبح اللّه ويسجد للّه وفيه من لا يسجد للّه وهو الذي حق عليه العذاب . فقوله تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » فسماهم مؤمنين وأمرهم بالإيمان ؛ فالأول عموم الإيمان ، فإن اللّه قال في حق قوم والذين آمنوا بالباطل ، والثاني خصوص الإيمان وهو المأمور به ، والأول إقرار منهم من غير أن يقترن به تكليف ، بل ذلك عن علم ، وأيسره في بني آدم حين أشهدهم على أنفسهم فقال « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » ، فخاطبهم بالمؤمنين حين أيه بهم ، ثم أمرهم بالإيمان في هذه الحالة الأخرى . وقوله « آمِنُوا بِاللَّهِ » ولم يقل بتوحيد اللّه ، فمن آمن بوجود اللّه فقد آمن ، ومن آمن بتوحيده فما أشرك . فالإيمان إثبات ، والتوحيد نفي الشريك . - الوجه الثاني - تدل هذه الآية على إطلاق لفظة الإيمان من حيث الإطلاق وعدم التقييد على كل من آمن بالباطل فإنه قال « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » فأطلق اللّه الإيمان ولم يقيده ، فإنه قال في المشركين « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ » وقال « وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا » ، فسمى المشرك مؤمنا ، وما كانوا مؤمنين إلا بالباطل . فهؤلاء هم المؤمنون الذين أيه اللّه بهم في قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ » فميزهم عن أهل الكتاب والكتب ، وما ثم مخبر جاء بخبر إلا الرسل ، فتعين أن المؤمنين الذين أمروا بالإيمان أنهم الذين آمنوا بالباطل وآمنوا بالشريك ، ودلّ على أنه ما خاطب أهل الكتاب فقط ، فإنه أمرهم بالإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل ، ولا شك أنهم به مؤمنون أعني علماء أهل الكتاب ، ثم قيد الكفر في هذه الآية ولم يقيد الإيمان فقال « وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ » فقيد في الذكر ما أمر به عبده أن يؤمن به ، وما تعرض في الذكر للكفر المطلق ، كما أطلق الإيمان ونعتهم به في قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وما كانوا مؤمنين إلا بالباطل ، فإن