ابن عربي
549
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
اللّه إليه يا إبراهيم صدقك ؛ لي سبعون سنة أرزقه ، وهو يشرك بي فتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة ؟ فلحقه إبراهيم عليه السلام ، وسأله الرجوع إليه ليقريه واعتذر إليه . فقال له المشرك يا إبراهيم ما بدا لك ؟ فقال إن ربي عتبني فيك ، وقال لي : أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بي ، وأنت تريد منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة ؟ فقال المشرك أو قد وقع هذا ؟ مثل هذا ينبغي أن يعبد . فأسلم ورجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله . ثم عمّت كرامته خلق اللّه من كل وارد ورد عليه ، فقيل له في ذلك فقال : تعلمت الكرم من ربي ، رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم . فأوحى اللّه إليه : أنت خليلي حقّا . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل [ الخلة ] - الخلة - اعلم أن المخاللة لا تصحّ إلا بين اللّه وبين عبده ، ولا تصح المخاللة بين المخلوقين المؤمنين ، فإن شروط الخلة لا تصح بين المؤمنين ولا بين النبي وتابعيه ، فإذا لم تصح شروطها ، لا تصح هي في نفسها ، فإن النبي والمؤمن بحكم اللّه لا بحكم خليله ولا بحكم نفسه . ومن شروط الخلة أن يكون الخليل بحكم خليله ، وهذا لا يتصور مطلقا بين المؤمنين ولا بين الرسل وأتباعهم في الدار الدنيا . والمؤمن تصح الخلة بينه وبين اللّه ، ولا تصح بينه وبين الناس . فالنبي ليس له خليل ولا هو صاحب لأحد سوى نبوته ، وكذلك المؤمن ليس له خليل ولا صاحب سوى إيمانه . فمن لا يتصرف إلا عن أمر إلهي لا يكون خليلا لأحد ولا صاحبا أبدا . فمن اتخذ خليلا غير اللّه ، فقد جهل مقام الخلة ، فلا خليل إلا اللّه . قال صلّى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، لكن صاحبكم خليل اللّه . فإذا علمت أن اللّه لا يستحيل عليه خلة عباده ، فاجهد أن تكون أنت ذلك الخليل بأن تنظر إلى ما يؤدي إلى تحصيل هذه الخلة الشريفة ، فإنك لا تجد لها سببا إلا الموافقة ، ولا علم لنا بموافقتنا الحق إلا موافقتنا شرعه ؛ فما حرّم حرّمناه ، وما أحلّ أحللناه ، وما أباحه أبحناه ، وما كرهه كرهناه ، وما ندب إليه ندبنا إليه ، وما أوجبه أوجبناه ، فإذا عمك هذا في نفسك ، وكانت هذه صفتك ، وقمت فيها مقام حق ، صحت لك الخلة لا بل المحبة التي هي أعظم وأخص من الخلة ، لأن الخليل يصحبك لك ، والمحب يصحبك لنفسه ، فشتان ما بين الخلة والمحبة . فالخليل يعتضد بخليله والحبيب يبطن في محبه فيقيه بنفسه . فالحق مجنّ المحبوب ، والخليل مجنّ خليله . فينبغي للإنسان الطالب مقام الخلة أن يحسن عامة لجميع خلق اللّه كافرهم ومؤمنهم طائعهم